من زاوية باركيول

غياب مكون لحراطين عن المشهد السياسي والاجتماعي

شهدت مدينة كيفه مؤخرا حدثا وطنيا بارزا تمثل في زيارة فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني وهي مناسبة شكلت فرصة لإبراز الأوزان السياسية والاجتماعية للفاعلين المحليين، ولقياس درجة مشاركة مختلف المكونات الوطنية في لحظة وطنية جامعة.

غير أن المتتبع للمشهد لا يمكنه إغفال الغياب اللافت لأطر وفاعلي مكون لحراطين عن مواقع التأثير والتمثيل، سواء في اللجان التنظيمية أو على مستوى المنصات الرسمية، في مقابل حضور رمزي وشعبي محدود، غالبًا ما ينحصر في الأرصفة، أو في مشاهد الاستقبال الاحتفالية دون ترجمة فعلية لهذا الحضور على مستوى القرار والتوجيه.

الأسباب البنيوية لهذا الغياب

1 الحرمان الاقتصادي وضعف التمكينيُعد الحرمان الاقتصادي المزمن من أبرز الأسباب التي ساهمت في تغييب لحراطين عن مواقع النفوذ السياسي والاقتصادي. فالفقر وغياب المشاريع الموجهة خصيصًا لتمكين هذا المكون، أدى إلى

ضعف النفاذ إلى التعليم الجيد، وقلة فرص التكوين، وانعدام الدعم المالي لخلق نخب قادرة على تمثيل المكون بكرامة واستقلالية.

2.غياب التمثيل في المناصب السياديةلا تزال تعيينات الدولة في أغلبها تغفل تمكين الأطر والكفاءات من لحراطين سواء على المستوى الوزاري أو في المؤسسات الكبرى، أو في الهيئات المستقلة. ويكاد يكون وجودهم في مناصب القرار معدومًا، وغالبًا محصورًا في وظائف إدارية هامشية، لا تتيح التأثير الفعلي.

3 غياب رجال الأعمال من أخطر أوجه الإقصاء التي يعاني منها لحراطين الغياب شبه الكامل لرجال أعمال من هذا المكون في المشهد الاقتصادي، ما ينعكس سلبًا على الحضور السياسي، نظرًا لأن المال أصبح أداة مركزية في الفعل السياسي الحديث. ولا يُلاحظ وجود شركات كبيرة، أو مستثمرين فاعلين من هذه الشريحة في المشهد الوطني.

4. التمثيل البرلماني والبلدي المحدود إن من يتتبع الخريطة الانتخابية يلاحظ أن لحراطين لا يمثلون أنفسهم في الغالب، بل يُستخدمون كأرقام انتخابية دون تمكين حقيقي لأطرهم من الوصول إلى البرلمان أو المجالس الجهوية أو البلديات، بل تُفرض عليهم وصاية سياسية تجعل من مشاركتهم شكلية وغير منتجة.

مقاطعة باركيول: نموذج مصغّرتُجسد مقاطعة باركيول هذا الواقع بكل تفاصيله، إذ تغيب عن المشهد المحلي نخبة سياسية واقتصادية من لحراطين رغم الكثافة العددية للمكون في القرى والتجمعات التابعة للمقاطعة.

ويُلاحظ أن اللحراطين في باركيول لا يملكون أطرًا في المناصب الإدارية العليا، ولا ممثلين منتخبين فاعلين، كما لا توجد مبادرات تنموية أو اقتصادية تنبع من داخل المكون نفسهوتُعاني الكفاءات القليلة التي ظهرت من الإقصاء أو التهميش من طرف النخب المسيطرة، أو من غياب الدعم الداخلي بسبب تفكك النسيج الاجتماعي وتسلط الزعامات التقليديةإن الغياب المتكرر الممنهج للحراطين عن المشهد السياسي والاجتماعي في لحظات مفصلية من تاريخ البلد، لا يمكن أن يستمر دون مساءلة أو معالجة.

الاعتراف بالمشكلة هو الخطوة الأولى، ويليه ضرورة تبني سياسات واضحة تركز على التمكين الاقتصادي، الإنصاف السياسي، ودعم الكفاءات الناشئةكما أنه على الدولة والأحزاب والنخب الموريتانية أن تتوقف عن استخدام هذا المكون في الصناديق، وتغييبه عن المكاسب، لأن بناء دولة العدالة يبدأ من إنهاء دوائر التهميش المتكررةولن يحدث هذا إلا حين تُفتح الأبواب أمام لحراطين لتمثيل أنفسهم، وصناعة واقعهم، وفرض وجودهم كمكون فاعل وليس فقط تابعًا

كتبه الفاعل السياسي والإطار: محمد محمود ولد حباك

اظهر المزيد

باركيول نت

منصة إعلامية موريتانية مستقلة، تعنى بالثقافة والتراث وتواكب الأحداث الوطنية والدولية بمهنية. هدفنا إنارة الرأي العام بمحتوى رصين يعكس نبض المجتمع وقيمه. نلتزم الدقة والمصداقية واحترام الحقوق وحق الرد والتصحيح وفق القانون وبالتحقق قبل النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى