
رفض محلي واسع في المقاطعة يُسقط مهرجان”الوحدة”… تسييس مكشوف يفضح لعبة السفيروحلفائه في أول اختبار
أود في مستهل هذا المقال أن أوضح أنني لستُ من المداومين على الخوض في الشأن السياسي، وقد آثرتُ الابتعاد عنه منذ فترة، غير أن تنظيم ما سُمّي عبثا بمهرجان “الوحدة الوطنية” على أرض بلديتي الحبيبة القَبْـرَة فرض عليّ الإدلاء بهذه المعطيات، انطلاقا من معرفتي بخلفيات الأمور ومآلاتها، وحرصا على وضع الرأي العام في المقاطعة والرأي العام الوطني أمام حقيقة ما جرى، بعيدا عن أي توظيف أو تأويل.
لم يكن ما جرى في بلدية القَبْـرَة الحبيبة مهرجانا للثقافة بالمعنى المتعارف عليه، بقدر ما بدا كرنفالا مصطنعا ومسرحية سياسية مكشوفة، أعدّها السفير المرفوض محليا: محمد ولد ببانه، وأخرجها العمدة الوحيد اندحمودي ولد زين. فقد صيغت هذه التظاهرة بعناية لإنتاج مشهد سياسي مُعلّب، لا يعكس واقع البلدية ولا يعبّر عن إرادة ساكنتها. إذ جرى استدعاء وجوه وفاعلين من خارج بلدية القَبْـرَة، في محاولة لإظهار لوحة حضور توحي بالإجماع، بينما كانت القَبْـرَة الحقيقية وأخواتها (دغفگ وارظيظيع) غائبة تماما عن هذا المشهد.
وقد تجلّى هذا الغياب بوضوح من خلال عدم حضور منتخبي (عُمَد) وأطر وشخصيات معروفة من بلديات القَبْـرَة، ودغفگ، وارظيظيع، إضافة إلى غياب رموز وازنة من بلدية بولحراث. وهو غياب لا يمكن اعتباره تفصيلا عابرا، بل مقاطعة صريحة من البلديات الأربع في الجانب الغربي لهذه التظاهرة، ورفضا للمشاركة في عرض استعراضي لا يحظى منظموه ولا رعاته بالقبول المحلي.
والأكثر دلالة، أن ساكنة القَبْـرَة أنفسهم، وهم المعنيون أولًا بأي مبادرة تُقام على أرض بلديتهم، غابوا بشكل شبه كامل. فقد غاب نائب مقاطعة باركيول المنحدر من البلدية، السيد محمدو ولد بوخريص، كما غابت أسرة أهل العبقري، ذات الرمزية الاجتماعية والتاريخية داخل البلدية، بشيخها التقليدي وجميع أطرها وأفرادها، في موقف يعكس رفضا اجتماعيا واضحا لما أقدم عليه العمدة، ورفضا لمحاولة السفير محمد ولد ببانه توظيف الرصيد السياسي والاجتماعي للأسرة، بعد أن قوبل بالرفض العلني ضمنيا في اجتماع “گالوله – إيديلبه”، فضلا عن رفضه داخل بلديته، مسقط رأسه.
كما شمل الغياب جميع الحساسيات السياسية والمجتمعية داخل بلدية الغَبْرَة: من مجتمع إيديبني العريق، الذي غابت رموزه ووجهاؤه بالكامل، إلى مجتمع أهل سيدي الهادي، إضافة إلى غياب ملحوظ لمجموعة إفلان في الغَبْرَة، حتى اضطر المنظمون لاستجلاب “إفلان” من كيهيدي لإيهام الجمهور بوحدة وطنية، وكذلك شريحة “لمعلمين” العريقة في البلدية. كل ذلك يوضح أن هذا “المهرجان” لم يُمثّل البلدية، ولم يعكس تنوعها أو إرادتها، بل قوبل برفض شعبي واسع من مختلف مكوّناتها الأساسية وفاعليها السياسيين الكبار.
ويزداد التناقض وضوحا عند مقارنة الدعاية المعلنة بالواقع؛ إذ جرى الترويج للمهرجان على أنه تظاهرة ثقافية في إطار الوحدة الوطنية والتآخي ونفض الغبار عن التراث المحلي، غير أن مخرجاته وتصريحات السفير محمد ولد ببانه نفسه كشفت أن الأمر لا يعدو كونه نشاطا ذا خلفية سياسية صِرفة، خُصّص للترويج لموضوع التعديل الدستوري وبند المأموريات، وذلك بالتنسيق مع عمدة القَبْـرَة اندحمودي ولد زين وعمدة بولحراث باب ولد أبيليل، اللَّذَين بادرا مع السفير إلى الدعوة لمأمورية ثالثة، وتحويل التظاهرة إلى كرنفال سياسي فجّ. وهو ما يُفرغ الخطاب الثقافي من مضمونه، ويحوّله إلى مجرد غطاء لغاية سياسية محددة، جرى تمريرها تحت “قالب الوحدة الوطنية والثقافة” بحثا عن الزخم “اتريند” والظهور الوطني.
وقد تعزز هذا الانطباع من خلال طبيعة المداخلات؛ إذ تبيّن أن جميع المتدخلين، باستثناء العمدة، ليسوا من أبناء بلدية القَبْـرَة، واستأثروا بالمنصة ترتيبا وحضورا، وكأن الهدف لم يكن الإنصات لصوت القَبْـرَة، بل الحديث باسمها دونها.
أما على المستوى الإعلامي، فقد بدا المشهد أكثر بؤسا؛ إذ اتسمت التغطية الإعلامية بالمغالطة والتلفيق، واتضح أن ما سُمّي بـ”مهرجان الوحدة” اختُزل عمليا في شخص السفير محمد ولد ببانه، الذي بادر إلى توزيع مضامين وتصريحات على عدد من المنصات والإعلاميين الوطنيين، تُقدَّم فيها المبادرة على أنها صادرة عن “أطر بلدية الغَبْرَة”، ويُروَّج فيها لنفسه بوصفه صاحبها، وهو أمر يمكن التحقق منه بالرجوع إلى تلك المنصات.
غير أن هذا الخطاب يطرح إشكالا جوهريا؛ فأطر القَبْـرَة، الذين جرى التحدث باسمهم، كانوا غائبين أصلا عن هذا المهرجان، فضلا عن أن المتحدث نفسه لا يُعد من أطر القَبْـرَة، ولا يملك أي تفويض اجتماعي أو سياسي للحديث باسمهم. وهو ما يجعل هذه الدعاية الإعلامية فاقدة للمشروعية، ويحوّلها من نقل للحدث إلى محاولة استغلال مكشوفة لفرض رواية لا تسندها الوقائع، بهدف التغطية على الرفض المحلي الواسع الذي يواجهه السفير محمد ولد ببانه داخل مقاطعة باركيول.
وفي المحصلة، لم يكن هذا المهرجان تعبيرا عن الوحدة الوطنية، ولا احتفاء حقيقيا بالثقافة، ولا مبادرة ذات أثر محلي، بل محاولة واضحة لخداع البسطاء سياسيا، واستغلال اسم بلدية القَبْـرَة ومقاطعة باركيول في عرض سياسي محدود الأثر. غير أن الغَبْرَة، بوعي ساكنتها، ورزانة وجهائها، وغيابهم الجماعي، وقفت بالمرصاد، وأسقطت هذا الادعاء، ورفضت أن تكون ديكورا في مسرحية طُبخت خارجها ولمصلحة غيرها.
بقلم : الناشط الشبابي: محمد الأمين السيدي



