زاوية الرأي

ردا على العافية مونك: مناضلو لحراطين أقدم من مقالاتكم وأثبت من اتهاماتكم

ليس من الحكمة، ولا من الإنصاف، ولا من الشجاعة الأخلاقية، أن تنبري منظمة العافية مونك لمقارعة قادة لحراطين، وفي مقدمتهم العميد الساموري ولد بي، بلغة الاتهام والتجريح ومحاكمة النوايا، بدل أن تنشغل بما ينفع الوطن والمواطن، وأن تقدم عملا ملموسا يخفف الفقر، ويخدم التعليم، ويصون الكرامة، ويعالج جراح المجتمع بالفعل لا بالشعارات.

لقد كان الأجدر بهذه المنظمة أن تسأل نفسها: ماذا قدمت للحراطين؟ ماذا قدمت للفقراء؟ ماذا قدمت للمدرسة؟ ماذا قدمت للشباب والنساء والمهمشين؟ قبل أن توزع شهادات الوطنية والإصلاح على رجال ناضلوا لقضية لحراطين يوم لم تكن هذه المنظمة قد رأت النور، ويوم كان الكلام عن هذه القضية كلفة باهظة لا يقدر عليها إلا من ثبت قلبه، وصدق عزمه، وآمن بعدالة المطلب.

إن قادة لحراطين لم يولدوا من فراغ، ولم يصنعهم بث مباشر، ولم ترفعهم منصات عابرة. هؤلاء رجال خرجوا من رحم المظلومية، وحملوا جرح الناس في زمن كان الصمت فيه أسهل، ودفعوا ثمن الموقف حين كان كثيرون يلوذون بالحياد البارد. وفي مقدمة هؤلاء العميد الساموري ولد بي، الذي لا يليق بمنظمة حديثة العهد بالخطاب العام أن تتطاول على تاريخه النضالي أو تختزل صوته في تهمة “الوصاية” و”المتاجرة”.

أما قول العافية مونك إن قادة لحراطين يتحدثون دون تفويض، فهو قول ساقط المعنى؛ لأن التفويض في قضايا المظلومين لا تصدره مكاتب المنظمات، ولا تمنحه بيانات المناسبات، بل تمنحه المعاناة، ويصنعه الثبات، وتزكيه سنوات الدفاع عن الحق. ومن وقف مع القضية في أيامها الصعبة أحق بالكلام ممن جاء متأخرا ليعلم الناس كيف يشتكون، ومتى يغضبون، وبأي نبرة يطالبون بحقوقهم.

وتزعم العافية مونك أن هؤلاء القادة لا يقدمون مدرسة ولا تكوينا ولا مشروعا اقتصاديا. وهذا قلب فاضح للمعادلة. فهل صار المناضل بديلا عن الدولة؟ وهل يلام صاحب الصوت لأنه لا يملك ميزانية وزارة؟ وهل المطلوب ممن يفضح الظلم أن يبني المدارس من جيبه، وأن يفتح المصانع وحده، وأن يوزع المنح مكان المؤسسات؟ إن واجب القائد الحقوقي أن يكشف الخلل، ويوقظ الضمير، ويدفع الدولة والمجتمع إلى تحمل مسؤولياتهما. أما بناء السياسات العمومية وتمويل البرامج فذلك واجب الدولة، لا شماعة يعلق عليها المتأخرون عجزهم عن فهم القضية.

ثم إن الحديث عن التعليم والتكوين والتمكين لا ينبغي أن يكون عصا ترفع في وجه المطالبين بالعدالة. نعم، التعليم طريق للتحرر، والتكوين باب للترقي، والعمل المنتج أساس للكرامة؛ لكن التعليم بلا مساواة ناقص، والتكوين بلا فرص خداع، والتمكين بلا عدالة ديكور سياسي، والدولة الوطنية بلا إنصاف مجرد شعار واسع بأبواب ضيقة.

وأما اتهام قادة لحراطين بأنهم يعيدون فتح الجراح، فهو منطق عجيب؛ فالجراح لا يفتحها من يصفها، بل من يتركها تنزف. والذي يشعل النار ليس من يصرخ من حرها، بل من أوقد الظلم وترك رماده يتراكم في صدور الناس. ومن أراد إغلاق جرح لحراطين فليعالجه بالإنصاف ورد الاعتبار والعدالة، لا بمهاجمة الذين كشفوا موضع الألم.

وتقول العافية مونك إن الخطاب يخوف الناس ويدفعهم إلى اليأس. والحقيقة أن الذي يصنع الخوف ليس صوت الساموري ولد بي، ولا خطاب قادة لحراطين، بل استمرار الغبن، وتراكم التهميش، وتأجيل الحقوق، وإصرار البعض على مطالبة المظلومين بالصمت الجميل. فالأوطان لا تخاف من صرخة الحق، وإنما تخاف من ظلم طويل يلبس ثوب الاستقرار.

أما الحديث عن “الحماية الدولية” أو غيرها من العبارات التي جرى تضخيمها، فالأصل أن يناقش بعقل ومسؤولية، لا بتخوين وتهويل. الحل الوطني هو الأصل، نعم؛ لكن الحل الوطني لا يكون بتكميم الأفواه، بل ببناء دولة عادلة يشعر فيها لحراطين وغيرهم أن لهم نصيبهم الكامل من الثروة والقرار والتعليم والكرامة. ومن أراد أن يحصن الدولة فليحصنها بالعدل، لا بمحاربة الأصوات التي تطالب به.

إن لحراطين ليسوا قطيعا انتخابيا ولا مادة خطابية، وهذا حق؛ لكنهم أيضا ليسوا جمهورا قاصرا يحتاج إلى منظمة ناشئة تؤدب صوته، وتحدد لقادته حدود الكلام، وتقرر لهم متى يكون الغضب مقبولا ومتى يصبح “متاجرة”. إنهم أصحاب حق، وأبناء وطن، وذاكرة مثقلة، وصوت لن يخرسه مقال، ولن تلغيه منظمة، ولن يساوم على كرامته أحد.

كان الأولى بالعافية مونك أن تعمل، لا أن تكثر الجدل؛ أن تبني، لا أن تهدم الرموز؛ أن تقدم شيئا للوطن والمواطن، لا أن تجعل همها مقارعة قادة لحراطين الذين سبقوا وجودها، وسبقوا خطابها، وسبقوا ميلاد كثير ممن يتجرؤون اليوم على تعليمهم معنى النضال. فليست البطولة أن تطعن في من حملوا القضية قبلك، بل أن تضيف لبنة في طريق الإنصاف.

وخلاصة القول: إن اتهامات العافية مونك لقادة لحراطين مردودة جملة وتفصيلا. فهؤلاء القادة ليسوا تجار آلام، بل شهود قضية؛ وليسوا أوصياء على الجراح، بل أصوات خرجت من قلبها؛ وليسوا خطرا على الوطن، بل إنذار حي بأن العدالة المؤجلة لا بد أن تتحقق.

ومن أراد خدمة لحراطين فليخدمهم بالفعل، لا بالمواعظ. ومن أراد خدمة الوطن فليواجه الظلم، لا الذين يفضحونه. ومن أراد إطفاء النار فليطفئ أسبابها، لا أفواه الذين احترقوا بها.

بقلم : الخبير القضائي والناشط السياسي ازيدبيه ولد احديد

اظهر المزيد

باركيول نت

منصة إعلامية موريتانية مستقلة، تعنى بالثقافة والتراث وتواكب الأحداث الوطنية والدولية بمهنية. هدفنا إنارة الرأي العام بمحتوى رصين يعكس نبض المجتمع وقيمه. نلتزم الدقة والمصداقية واحترام الحقوق وحق الرد والتصحيح وفق القانون وبالتحقق قبل النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى