من “تآزر” إلى مدارس الامتياز: هل تغيّر واقع الفقراء في عهد الغزواني؟
باركيول نت (تقرير خاص) منذ وصول الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني إلى السلطة سنة 2019، أصبح ملف الفئات الهشة والمهمشة أحد العناوين البارزة في الخطاب الرسمي والسياسات العمومية، من خلال إنشاء المندوبية العامة للتضامن الوطني ومكافحة الإقصاء “تآزر”، وتوسيع التحويلات النقدية، وإطلاق التأمين الصحي لصالح الأسر المتعففة، وبرامج التعليم والتكوين والتشغيل، إضافة إلى البرنامج الاستعجالي للبلديات الريفية، وتقريب خدمات الحالة المدنية والوثائق المؤمنة.غير أن هذه الحصيلة، رغم حجمها المالي وتعدد برامجها، لا تزال محل نقاش سياسي وحقوقي.
فالحكومة تقدمها بوصفها تحولا في علاقة الدولة بالفئات الفقيرة، بينما ترى المعارضة ونشطاء من أبناء الفئات الهشة أن كثيرا من هذه التدخلات لم يتحول بعد إلى تغيير بنيوي قادر على إخراج الفقراء من الفقر، أو فتح فرص حقيقية أمام أطر وشباب البيئات المهمشة في الإدارة والاقتصاد ومراكز القرار.
“تآزر”.. الذراع الاجتماعية الأبرز في العهد الحال
يشكل إنشاء “تآزر” أواخر سنة 2019 إحدى أبرز الخطوات المؤسسية في المجال الاجتماعي خلال حكم الرئيس الغزواني، إذ قدمت المندوبية بوصفها جهازا مركزيا لمحاربة الفقر والإقصاء، ورصد لها، بحسب ما نقلته مصادر وطنية، غلاف مالي كبير لتمويل برامج اجتماعية واقتصادية موجهة للفئات الهشة.
وفي فبراير 2026، نقلت وكالة الأخبار المستقلة، استنادا إلى عرض رسمي خلال إفطار للرئيس مع ممثلين عن “مجتمع تآزر”، أن استثمارات المندوبية بين 2020 و2025 تجاوزت 249 مليار أوقية قديمة، وشملت التعليم والصحة والمياه والطاقة والسكن والاندماج الاقتصادي.
كما تحدثت الحصيلة عن بناء وتجهيز مؤسسات تعليمية وصحية، وتعميم التأمين الصحي لأكثر من 113 ألف أسرة، وإنجاز بنى مائية، وربط قرى بالكهرباء، وتمويل آلاف الأنشطة الإنتاجية، وتوفير السكن الاجتماعي، إضافة إلى استفادة مئات آلاف الأسر من التحويلات النقدية.
لكن هذه الأرقام تفتح سؤالا جوهريا: هل كانت “تآزر” مجرد آلية لتوزيع الدعم وتخفيف آثار الفقر، أم أصبحت رافعة تنموية قادرة على إنتاج تحول اجتماعي حقيقي داخل البيئات الفقيرة؟
التحويلات النقدية والسجل الاجتماعي: حماية اجتماعية أم إدارة للفقر؟
تعتمد الحكومة في استهداف الأسر الفقيرة على السجل الاجتماعي وبرامج التحويلات النقدية، خصوصا برنامج “تكافل”. ويؤكد البنك الدولي أن أكثر من 200 ألف أسرة فقيرة مسجلة في قاعدة بيانات السجل الاجتماعي تستفيد من برنامج “تكافل” للتحويلات النقدية، ضمن منظومة حماية اجتماعية تنفذها الحكومة بدعم من المؤسسة الدولية للتنمية التابعة للبنك الدولي.
كما يذكر البنك الدولي، في عرض حول موريتانيا ضمن برنامج الحماية الاجتماعية التكيفية في الساحل، أن السجل الاجتماعي كان، حتى نوفمبر 2024، يضم أكثر من 305 آلاف من الأسر الأكثر فقرا، متجاوزا الهدف الأصلي البالغ 200 ألف أسرة، مع استمرار عملية تحيين شاملة لزيادة دقة المعطيات وموثوقيتها.
ومن جهة أخرى، أوردت الوكالة الموريتانية للأنباء الرسمية أن “تآزر” أعلنت في أبريل 2025 عن توزيعات نقدية مباشرة بلغت 65 مليار أوقية قديمة، استفادت منها 137,400 أسرة متعففة، من بينها 40 ألف أسرة في نواكشوط، مع رفع المبلغ المخصص لكل أسرة من 15 ألف أوقية قديمة إلى 36 ألف أوقية قديمة.
كما تحدثت الحصيلة نفسها عن منح التأمين الصحي الشامل والمجاني لـ100 ألف أسرة متعففة، تمت زيادتها لاحقاً بخمسين ألف أسرة إضافية.غير أن منتقدين يرون أن التحويلات النقدية، رغم أهميتها في تخفيف الحاجة اليومية، لا تكفي وحدها لإحداث تحول عميق في أوضاع الفقراء.
ويذهب بعض النشطاء إلى أن هذه البرامج تساعد الأسر على مواجهة صعوبات ظرفية، لكنها لا تخلق بالضرورة فرصا إنتاجية كبرى، ولا تؤسس لطبقة من المقاولين ورجال الأعمال الصاعدين من أبناء الفئات الهشة.ويستخدم بعضهم تعبيرا قاسيا مفاده أن بعض برامج “تآزر” قد “تزيد الأغنياء غنى والفقراء فقرا”، في إشارة إلى أن المستفيد الأكبر، حسب هذا الرأي، قد يكون شبكات المقاولة والتوريد والوساطة، بينما يبقى الفقراء في موقع المتلقي للمساعدة لا الشريك في إنتاج الثروة وهذا ستعكس سؤالا مشروعا:
هل تقيس الدولة نجاح برامجها بعدد الأسر المستفيدة من الدعم فقط، أم بقدرة هذه الأسر على الخروج نهائيا من دائرة الفقر؟
التأمين الصحي: مكسب اجتماعي واسع للفئات الفقيرة
في مايو 2021، أطلق الرئيس الغزواني عملية توزيع بطاقات التأمين الصحي لصالح 100 ألف أسرة متعففة، منفذة من طرف “تآزر”. ووفق الوكالة الموريتانية للأنباء، شملت العملية مستفيدين يمثلون مختلف ولايات البلاد.
ويعد هذا الإجراء من أبرز المكاسب الاجتماعية الملموسة، لأن المرض يمثل أحد أكبر أسباب إنهاك الأسر الفقيرة. لكن اكتمال الأثر يتوقف على جودة الخدمة الصحية نفسها:
توفر الأطباء، والأدوية، والتجهيزات، والاستقبال، وسيارات الإسعاف، خصوصاً في القرى والمناطق الداخلية.
التعليم والمدرسة الجمهورية: رهان على كسر الفوارق
تقدم الحكومة مشروع “المدرسة الجمهورية” باعتباره إصلاحا اجتماعيا قبل أن يكون تعليميا فقط، لأنه يسعى إلى تقوية المدرسة العمومية وتوحيد فضاء التعليم بين أبناء الأغنياء والفقراء.
وفي يناير 2026، أعلن الوزير الأول أمام الجمعية الوطنية التخطيط لبناء أكثر من 15 ألف حجرة دراسية جديدة في أفق 2029، تم بناء 3698 منها بين 2019 و2024، فيما شهدت سنة 2025 وحدها استلام أكثر من 1900 حجرة دراسية، مع اكتتاب أكثر من 11 ألف مدرس بين 2019 و2024، و2343 مدرسا خلال العام الدراسي 2024–2025. كما تحدث التقرير الحكومي نفسه عن انتقال أعداد منظومتي التكوين المهني والتعليم العالي من أقل من 25 ألفاً سنة 2019 إلى أكثر من 60 ألفاً سنة 2025.
تظهر أهمية هذا الملف بالنسبة للفئات الهشة في أن التعليم العمومي هو الطريق الأكثر واقعية لأبناء الفقراء نحو الصعود الاجتماعي. لكن تحدي المدرسة الجمهورية لا يقتصر على بناء الحجرات واكتتاب المدرسين، بل يشمل جودة التدريس، والحد من التسرب، وضبط حضور المدرسين في الريف، وتوفير الكتاب المدرسي، وضمان ألا تبقى المدرسة العمومية مدرسة للفقراء فقط من حيث الواقع الاجتماعي.
مدارس الامتياز والسكن المدرسي: تمييز إيجابي لصالح أبناء الفقراء
وفي مقابل الانتقادات التي ترى أن أبناء الطبقات الهشة ظلوا أقل حضورا في مسارات التفوق والمنح، تؤكد معطيات رسمية أن الدولة اتخذت، خلال السنوات الأخيرة، خطوات لإشراك أبناء الأسر الفقيرة والمهمشة في مدارس الامتياز، اعتمادا على السجل الاجتماعي، في إطار ما يمكن اعتباره شكلا من أشكال التمييز الإيجابي التعليمي.فقد أقام الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، في مارس 2024، حفل إفطار على شرف تلاميذ ثانوية الامتياز الملتحقين بها من أوساط الفقراء والمهمشين حسب السجل الاجتماعي، بحضور الطواقم التربوية وأولياء أمور التلاميذ، وفق ما نشرته وزارة التربية وإصلاح النظام التعليمي.
كما تبرز تجربة السكنين الداخليين في بوصطيلة وأوجفت بوصفها خطوة عملية لتعزيز تكافؤ الفرص التعليمية. فقد أعلنت الوكالة الموريتانية للأنباء، في مارس 2026، عن اجتماع تحضيري بين وزارة التربية وإصلاح النظام التعليمي و”تآزر” ومفوضية الأمن الغذائي لإطلاق سكنين داخليين لفائدة تلاميذ المرحلتين الإعدادية والثانوية في مقاطعتي بوصطيلة وأوجفت، بطاقة استيعابية تصل إلى 150 تلميذا لكل سكن.
وفي أبريل 2026، أفادت الوكالة الموريتانية للأنباء بأن السكن الداخلي يوفر خدمات متكاملة تشمل الإيواء والإطعام، إلى جانب دروس تقوية في مواد أساسية، من بينها الرياضيات والعلوم الطبيعية والفيزياء والتربية الإسلامية، وأن سكنا داخليا آخر دُشّن في بوصطيلة بنفس المواصفات والطاقة الاستيعابية.
وتكتسب تجربة بوصطيلة أهمية خاصة لأنها تقع في منطقة داخلية تحتاج إلى دعم تعليمي واجتماعي مضاعف، حيث لا يكفي توفير المقعد الدراسي وحده لأبناء الأسر الفقيرة، بل يحتاج التلميذ أيضا إلى سكن آمن، وغذاء منتظم، ودروس تقوية، ومتابعة تربوية، حتى يستطيع منافسة تلاميذ المدن والبيئات الأكثر حظا.
ومن هذه الزاوية، لا يعد السكن المدرسي مجرد خدمة مرافقة، بل أداة من أدوات العدالة التعليمية. غير أن هذه الخطوات، رغم أهميتها، لا تنهي النقاش حول العدالة التعليمية. فمنتقدون يرون أن إشراك أبناء الفئات الهشة في مدارس الامتياز، وتوفير المنح المدرسية والنقل والسكن الداخلي، ينبغي أن يتحول إلى سياسة موسعة لا إلى تجارب محدودة العدد.
كما يطالبون بنشر معطيات دورية حول عدد المستفيدين من أبناء الأسر الفقيرة، ونسب نجاحهم، واستمرارهم في الدراسة، ووصولهم إلى البكالوريا والمنح الجامعية والتخصصات العليا.
البرنامج الاستعجالي للبلديات الريفية: محاولة لتقريب الخدمات الأساسية
أطلقت الحكومة “البرنامج الاستعجالي لتعميم النفاذ إلى الخدمات الضرورية للتنمية المحلية”، بوصفه أحد أهم البرامج الموجهة للداخل والبلديات الريفية. ووفق الوكالة الموريتانية للأنباء، يشمل البرنامج إنشاء أو إعادة تأهيل 43 سدا، وتقوية الحواجز والسدود الصغيرة، وتوزيع 875 كلم من السياج، واستصلاح 101 منطقة لزراعة الخضروات، وإنشاء 39 بئرا رعوية و183 حظيرة تلقيح، وبناء ثلاثة مسالخ جديدة، وإنشاء وحدتين لتجميع الحليب، ومركز للصحة البيطرية، ومزرعة لتحسين السلالات، وصيدلية بيطرية.
كما صادق مجلس الوزراء في أبريل 2025 على بيان يتعلق بهذا البرنامج، مؤكدا أنه يأتي في إطار تعميم النفاذ إلى الخدمات الضرورية للتنمية المحلية.
وتكمن أهمية هذا البرنامج في أنه ينتقل من منطق الإعانات المباشرة إلى الاستثمار في البنية القاعدية: الماء، والزراعة، والتنمية الحيوانية، والصحة، والتعليم، والكهرباء. لكن التقييم الحقيقي له يتطلب متابعة ميدانية:
أين نُفذت المشاريع؟ هل اكتملت؟ هل استلمها السكان؟ وهل استفادت القرى الأكثر عزلة، أم استفادت المناطق الأكثر حضوراً في دوائر التأثير السياسي؟الصحة القاعدية:
بنى جديدة وتحدي الخدمة المستمرةإلى جانب التأمين الصحي، أعلنت الحكومة برامج لتوسيع البنية الصحية، خصوصا في الداخل.
وفي خطاب للرئيس الغزواني نشرته الرئاسة في نوفمبر 2025، وردت إجراءات تشمل بناء مراكز ونقاط صحية، وحفر وتجهيز نقاط مياه، وتزويد قرى بالكهرباء، وتشييد سدود وحواجز مائية، ودعم الشباب بالتكوين وتمويل المشاريع الصغيرة.
وتبقى الصحة من أكثر القطاعات ارتباطا بالفئات الهشة؛ فغياب مركز صحي قريب أو سيارة إسعاف أو دواء متوفر قد يحول المرض البسيط إلى مأساة اجتماعية.
ولذلك فإن الحكم على إنجازات القطاع لا ينبغي أن يقف عند عدد النقاط الصحية أو البطاقات، بل عند قدرة المواطن الفقير في قرية نائية على الحصول فعلا على خدمة صحية في الوقت المناسب.
التشغيل والتكوين: فرص معلنة وسؤال الاستدامةفي مجال التشغيل، أطلقت الحكومة برامج مثل “مشروعي مستقبلي” و”مهنتي” وتحسين قابلية تشغيل الشباب. ووفق الوكالة الموريتانية للأنباء، أعلن في مايو 2024 عن تمويلات لـ 2000 مشروع بغلاف مالي قدره 2.3 مليار أوقية قديمة، إلى جانب تمويلات في إطار مشروعي “قابلية التشغيل” و”مهنتي”، وإطلاق “منصة فضاءات الأعمال” والنسخة الخامسة من “مشروعي مستقبلي”.هذه الأرقام مهمة، لكنها تظل بحاجة إلى مؤشرات أثر:
كم مشروعا بقي قائما بعد سنة أو سنتين؟
كم فرصة عمل تحولت إلى عمل دائم؟ وما نسبة استفادة أبناء الفئات الهشة، والنساء، وذوي الإعاقة، وسكان الأرياف، وأبناء القرى والمحاظر والأحياء الفقيرة؟الحالة المدنية والوثائق المؤمنة: التوثيق كمدخل للحقوقيعد الحصول على الوثائق المدنية مدخلا أساسيا للتمتع بالحقوق، خصوصا بالنسبة للفئات الهشة؛ فالوثائق شرط عملي للتعليم، والصحة، والتقاضي، والتصويت، والاستفادة من برامج الدعم.
وفي يناير 2024، أفادت الوكالة الوطنية لسجل السكان والوثائق المؤمنة، عبر الوكالة الموريتانية للأنباء، بأن حملة التقييد في السجل الوطني للسكان التي انطلقت في يوليو 2023 مكنت من تسجيل 508,752 مواطنا، وأن الوكالة بعثت 49 فرقة متنقلة وفتحت 105 مراكز، ليصل مجموع المراكز الثابتة والمتنقلة إلى 154 مركزا.وتكتسب هذه العملية أهمية خاصة بالنسبة للفئات الهشة والقرى النائية، لأن غياب الوثائق قد يحرم الطفل من التعليم، والمواطن من العلاج أو التقاضي أو الاستفادة من برامج الدعم.
ولذلك فإن تقريب خدمات الحالة المدنية لا ينبغي أن يُنظر إليه كإجراء إداري فقط، بل كجزء من سياسة الإنصاف الاجتماعي.التوظيف والتمثيل:
خطوات محدودة أم تحول حقيقي؟
في ملف التوظيف والتمثيل داخل الإدارة، يقر بعض المتابعين بأن السنوات الأخيرة شهدت دمج عدد من أبناء الفئات الهشة في وظائف ومناصب إدارية وسياسية مختلفة.
غير أن هذا الاعتراف لا يلغي انتقادا واسعا بين بعض النشطاء، مفاده أن حجم الدمج ظل محدودا، ولم يتحول إلى سياسة قادرة على خلق فرص حقيقية ومنظمة لأبناء الفقراء والمهمشين.
ويرى هؤلاء أن كثيرا من أطر الفئات الهشة التي دعمت نظام الرئيس الغزواني ورافعت عن برنامجه الاجتماعي ما تزال خارج دوائر القرار والعمل، لا لغياب الكفاءة، بل لغياب “السند” الاجتماعي أو القبلي أو السياسي القادر على الدفع بها إلى مواقع التأثير. ويذهب بعضهم إلى القول إن من تم توظيفهم أو تعيينهم من هذه الفئات قليلون، “يُعدون على أصابع اليد”، ولا يكفي حضورهم الرمزي لإحداث إنصاف تاريخي أو تغيير في بنية الإدارة.
كما يتهم بعض النشطاء مؤسسات وبرامج اجتماعية، وفي مقدمتها “تآزر”، بأن فرص العمل أو التعاقد داخل محيطها لا تذهب بالقدر الكافي إلى أبناء الفقراء الذين أُنشئت هذه البرامج من أجلهم، بل يستفيد منها، وفق هذا الرأي، أبناء النافذين والميسورين ومن يملكون شبكات قرب اجتماعي وسياسي.
وهذه اتهامات تحتاج إلى تحقيق مهني مستقل، يقوم على فحص قوائم التوظيف والتعاقدات والصفقات والمستفيدين، مع منح حق الرد للمؤسسات المعنية.
وجوهر هذا النقد أن العدالة الاجتماعية لا تقاس بعدد المستفيدين من المساعدات فقط، بل تقاس أيضا بمدى فتح الإدارة، والصفقات، والتكوين، والتمويل، ومراكز القرار أمام أبناء البيئات التي ظلت تاريخيا خارج دائرة النفوذ.
المعارضة: الغلاء والحريات والفساد يضعفون أثر البرامج الاجتماعية في مقابل الرواية الرسمية،
ترى قوى معارضة أن البرامج الاجتماعية لم تمنع تدهور القدرة الشرائية ولا انتشار البطالة ولا ضعف الخدمات.
ففي مايو 2026، حشدت أقطاب المعارضة في نواكشوط أنصارها رفضا للارتفاع المستمر للأسعار وللتضييق على الحريات، وفق ما نقلته وكالة الأخبار المستقلة.كما نقلت صحراء ميديا أن مهرجان المعارضة احتضنته العاصمة نواكشوط احتجاجا على غلاء الأسعار وتراجع الحريات، في سياق محاولة قوى المعارضة إظهار قدر من التماسك السياسي بعد سنوات من التباين.
وتتهم المعارضة النظام، في أكثر من مناسبة، بضعف الحكامة وارتفاع الأسعار وتراجع الحريات.
وهذه الانتقادات لا تنفي وجود برامج اجتماعية، لكنها تضعها أمام سؤال الأثر: هل يستطيع الدعم الاجتماعي أن يخفف الفقر إذا كانت الأسعار ترتفع، والبطالة مستمرة، والحكامة محل طعن سياسي؟
المنظمات الدولية: تقدم في الحماية الاجتماعية وبقاء تحديات التمييز والعبوديةدوليا، تسجل بعض المؤسسات تقدما في منظومة الحماية الاجتماعية. فالبنك الدولي يعتبر أن برامج مثل “تكافل” والسجل الاجتماعي تمثل أدوات مهمة لدعم الأسر الفقيرة، ويؤكد أن أكثر من 200 ألف أسرة تستفيد من التحويلات الاجتماعية.
لكن المنظمات الحقوقية تواصل التنبيه إلى تحديات عميقة.
فقد ذكرت منظمة العفو الدولية أن العبودية القائمة على النسب لا تزال مستمرة في البلاد، وأن الحقوق في حرية التعبير والتجمع السلمي تعرضت لانتهاكات.كما تشير هيومن رايتس ووتش إلى أن قوانين تتعلق بالتشهير ونشر “المعلومات الكاذبة” والجرائم الإلكترونية استخدمت ضد مدافعين عن حقوق الإنسان ونشطاء وصحفيين ومدونين، وأن قوات الأمن تستخدم أحيانا القوة المفرطة لتفريق احتجاجات سلمية، وأن بعض أشكال العبودية لم تستأصل رغم القوانين المتعددة التي تحظرها.
أما تقرير الخارجية الأمريكية حول حقوق الإنسان في موريتانيا لسنة 2024، فيشير إلى قضايا حقوقية مهمة تشمل تقارير موثوقة عن الاعتقال أو الاحتجاز التعسفي، وقيودا جدية على حرية التعبير، وقضايا متعلقة بالاتجار بالبشر والعمل القسري.
وفي مايو 2022، قال مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بأشكال الرق المعاصرة، بعد زيارة لموريتانيا، إنه متشجع ببعض التقدم، لكنه شدد على أن هناك حاجة إلى مزيد من العمل للقضاء الكامل على العبودية، مشيراً إلى قضايا تتعلق بالعبودية القائمة على النسب والطبقات الاجتماعية، وما يرافقها من حرمان من الخدمات الأساسية أو انتقام اجتماعي ضد من يرفضون وضعهم التقليدي.خلاصة التقريريمكن القول إن عهد الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني شهد توسعا واضحا في أدوات الحماية الاجتماعية الموجهة للفقراء والفئات الهشة:
“تآزر”، التحويلات النقدية، التأمين الصحي، السجل الاجتماعي، برامج التشغيل، المدرسة الجمهورية، إدماج أبناء الأسر الفقيرة في مدارس الامتياز، تجربة السكن الداخلي في بوصطيلة وأوجفت، البرنامج الاستعجالي للبلديات، وتسهيل الحصول على الوثائق المدنية.لكن قوة الحصيلة الرقمية لا تكفي وحدها لإغلاق النقاش.
فالسؤال المركزي لم يعد: هل توجد برامج؟ بل: ما أثرها الفعلي؟ هل أخرجت الفقراء من الفقر؟ هل خلقت طبقة من المقاولين وأصحاب المشاريع من أبناء الفئات الهشة؟ هل فتحت الوظائف ومراكز القرار أمام أطر هذه الفئات؟ وهل تمت إدارة الصفقات والتمويلات والتوظيفات بمنطق الشفافية والإنصاف، أم بقيت محكومة بمنطق النفوذ والقرب الاجتماعي والسياسي؟بذلك تبدو حصيلة الغزواني الاجتماعية في موقع وسط بين روايتين:
رواية رسمية تتحدث عن أرقام وبرامج غير مسبوقة، ورواية نقدية ترى أن الفقر لا يهزم بالمساعدات وحدها، وأن الإنصاف الحقيقي يحتاج إلى تعليم نوعي، وتشغيل دائم، وتمويل منتج، وتمثيل عادل، وشفافية في الصفقات، وحماية للحقوق والحريات، وتفكيك عميق لمخلفات التمييز والعبودية.



