تحت الضوء

«دبلوماسية الآيات».. رسائل إيران المشفّرة للوفود الأجنبية تحت عباءة التلاوة القرآنية

باركيول نت _ لم تكن التلاوات القرآنية التي رافقت استقبال الوفود الأجنبية في مراسم تشييع المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي مجرد خلفية دينية للمناسبة؛ فقد اختلفت الآيات من وفد إلى آخر، بما فتح بابًا واسعًا أمام قراءة سياسية تعتبر أن طهران استخدمت النص القرآني وسيلةً للرمز والإيحاء، من غير أن تصدر بيانًا دبلوماسيًا مباشرًا.

ومع ذلك، لم تعلن السلطات الإيرانية رسميًا أن اختيار الآيات جرى بقصد توجيه رسائل سياسية محددة، ولذلك تبقى هذه الدلالات في دائرة التحليل والاجتهاد، لا في حكم الحقيقة القطعية.

الوفد القطري: المغفرة والفتح والهدايةتُليت أمام الوفد القطري الآية:﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾.

الآية من سورة الفتح، وترتبط في سياقها بصلح الحديبية، الذي بدا في ظاهره تنازلًا، لكنه فتح بابًا واسعًا للنصر والتمكين.

ويمكن أن يكون اختيارها اعترافًا بالدور القطري في الوساطة، وبقدرة الدوحة على الجمع بين علاقاتها بإيران وعلاقاتها بالدول الغربية والخليجية، مع إيحاء بضرورة تجاوز خلافات الماضي، وفتح صفحة جديدة تقوم على المصالحة والهداية السياسية.

الوفد السعودي: بدر والعبرة من موازين القوةأمام الوفد السعودي، تُليت الآية:﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾.هذه الآية تستحضر غزوة بدر، حيث انتصرت الفئة الأقل عددًا وعدة.

وفي سياق العلاقة بين إيران والسعودية، قد تحمل رسالة مزدوجة: ترحيبًا بالتقارب من جهة، وتذكيرًا من جهة أخرى بأن النصر لا تحسمه التحالفات العسكرية وحدها.

كما يمكن فهمها على أنها دعوة للرياض إلى الفصل بين المصالح الإسلامية المشتركة والتحالفات مع القوى الغربية وإسرائيل.

الوفد التركي: تفضيل المجاهدين على القاعدينرافقت دخول الوفد التركي الآية:﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.

قد يُفهم اختيار هذه الآية بوصفه رسالة إلى أنقرة بأن المواقف لا تُقاس بالتصريحات وحدها، بل بحجم الانخراط الفعلي في قضايا المنطقة، ولا سيما فلسطين والصراع مع إسرائيل.

وهي قد تحمل في الوقت نفسه تقديرًا للدور التركي، وحثًا على الانتقال من المساندة السياسية إلى موقف أكثر حزمًا وتأثيرًا.

وفد شيوخ العشائر العراقية: التحذير من المنافقين والضغوط الخارجيةتُليت أمام وفد شيوخ العشائر العراقية الآية:﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.

قد تكون الرسالة هنا مرتبطة بحساسية المشهد العراقي، وتعدد القوى المتنافسة داخله، ووجود نفوذ أمريكي وإقليمي متشابك. وتوحي الآية، في القراءة الإيرانية المحتملة، بضرورة الثبات على التحالف مع طهران، والحذر من الضغوط الخارجية والانقسامات الداخلية.

وفد الحكومة اللبنانية: ثقل التكليف وحدود الاحتمال أمام الوفد الحكومي اللبناني، قُرئت الآية:﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾.الآية تتحدث عن مشقة التكليف وثقل الامتحان.

وقد يكون اختيارها إشارة إلى حجم الضغوط التي يواجهها لبنان، وإلى أن الصمود في أوقات الحرب والانقسام لا يقدر عليه إلا القليل. كما قد تتضمن نقدًا مبطنًا لمن يطالبون بالتضحية، لكنهم يتراجعون عند وقوع الكلفة الفعلية.

وفد حزب الله العراقي: النهي عن الوهن والحزناستُقبل وفد حزب الله العراقي بقوله تعالى:﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.

الرسالة هنا أكثر وضوحًا؛ فهي تثبيت معنوي لحليف يواجه ضغوطًا عسكرية وسياسية، ودعوة إلى مواصلة الطريق وعدم التأثر بالخسائر أو التهديدات.

وفي الخطاب الإيراني، تمثل الآية لغة تقليدية في رفع معنويات الجماعات المصنفة ضمن «محور المقاومة».

وفد حركة حماس: الوفاء بالعهد والثبات حتى النهايةأمام وفد حركة حماس، تُليت الآية:﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾.

يحمل هذا الاختيار تكريمًا واضحًا لقتلى الحركة وقياداتها، وتقديمًا لحماس بوصفها جماعة ثابتة على عهدها، لم تتراجع رغم الحرب والخسائر. كما يعكس استمرار الدعم السياسي والرمزي الإيراني للحركة وللقضية الفلسطينية.

الوفد اليمني: الشدة على الخصوم والرحمة بين الحلفاءتُليت أمام الوفد اليمني الآية:﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾.

قد تعكس الآية إشادة إيران بالحوثيين وحلفائها في اليمن، وتصويرهم جماعةً متماسكة تجمع بين العقيدة والقتال.

كما تحمل دعوة إلى وحدة الصف بين القوى المتحالفة مع طهران، وإلى الفصل بين الشدة في مواجهة الخصوم والرحمة داخل معسكر الحلفاء.

وفد حزب الله اللبناني: الولاية والانتماء إلى معسكر الغالبين استُقبل وفد حزب الله اللبناني بالآيتين:﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ۝ وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾.

هذا الاختيار هو الأكثر مباشرة من الناحية الرمزية، بسبب ورود عبارة «حزب الله» نصًا. ولذلك يمكن قراءته بوصفه تثبيتًا لمكانة الحزب داخل التحالف الإيراني، وتأكيدًا أن طهران ما زالت تنظر إليه باعتباره حليفًا عقائديًا وسياسيًا، لا مجرد شريك ظرفي.

باكستان: صدق الدخول والخروج وسلطان النصرة أمام الوفد الباكستاني، تُليت الآية:﴿رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾.

قد تحمل الآية تقديرًا للموقف الباكستاني، وإشادة بدور إسلام آباد الدبلوماسي، مع تمنٍّ باستمرار التعاون بين البلدين على قاعدة الصدق والدعم المتبادل.

الهند: حسبنا الله ونعم الوكيل أمام الوفد الهندي، تُليت الآية:﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾.

يمكن فهمها رسالةً عن الثبات في وجه التحالفات والضغوط، وربما تعبيرًا عن عدم رضا إيراني كامل عن الموقف الهندي في أزمات المنطقة، مع تأكيد أن طهران لا ترى نفسها معتمدة على مساندة الآخرين بقدر اعتمادها على صمودها الذاتي.

الخلاصة : يمكن وصف ما جرى بأنه نوع من «الدبلوماسية الرمزية»، حيث استُبدلت العبارات الرسمية المباشرة بآيات ذات حمولة سياسية وتاريخية وعقائدية. فالوفود الحليفة استُقبلت بآيات الثبات والوفاء والنصر، والوسطاء بآيات الفتح والهداية، أما الدول التي تجمعها بإيران علاقات مركبة، فقد رافقتها آيات تحتمل التذكير والعتاب والتنبيه.

ومع ذلك، يبقى من الضروري التمييز بين التفسير السياسي وبين القصد الرسمي؛ فالسلطات الإيرانية لم تعلن أن كل آية وُجهت عمدًا إلى دولة بعينها. غير أن اختلاف التلاوات وتوافق كثير منها مع طبيعة العلاقات الإقليمية جعلا من الصعب فصل المشهد الديني عن رسائله السياسية المحتملة.

اظهر المزيد

باركيول نت

منصة إعلامية موريتانية مستقلة، تعنى بالثقافة والتراث وتواكب الأحداث الوطنية والدولية بمهنية. هدفنا إنارة الرأي العام بمحتوى رصين يعكس نبض المجتمع وقيمه. نلتزم الدقة والمصداقية واحترام الحقوق وحق الرد والتصحيح وفق القانون وبالتحقق قبل النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى