
لحراطين الحوض الشرقي.. ثقل في صناديق الاقتراع وغياب على موائد القرار
باركيول نت (الحوض الشرقي) يشهد الحوض الشرقي هذا الأسبوع تجدد نقاش قديم حول واقع لحراطين في الولاية، ومدى التناسب بين ثقلهم السكاني والانتخابي وبين حضورهم في المجالس المنتخبة والإدارة ومواقع صنع القرار، وسط تحذيرات من أن استمرار هذا الاختلال قد يفاقم الشعور بالحرمان ويضعف الثقة في المؤسسات السياسية.
ولا تتوقف خطورة القضية عند غياب نائب أو محدودية عدد العمد، بل تتصل، وفق ما كتبه عدد من أبناء الولاية، بمنظومة أوسع يظهر فيها لحراطين بقوة في صفوف الناخبين، ثم يتراجع حضورهم بصورة لافتة داخل صفوف المنتخبين والمستفيدين من النفوذ والخدمات.
وطنية في التصويت وانحياز في الترشيح
كتب شيخنا بابه اتريميز أن الصوت الحرطاني في موريتانيا عموماً، وفي الحوض الشرقي خصوصاً، يميل إلى تغليب الانتماء الوطني وعدم التصويت على أساس اجتماعي ضيق، غير أن الصورة تنقلب، بحسب تعبيره، عند الانتقال من صف الناخبين إلى صف المنتخبين.
وطرح اتريميز سؤالا مباشرا: هل يعزف لحراطين عن الترشح، أم أن الجهات المتحكمة في الترشيحات لا تراعي طموحاتهم المشروعة؟
وربط اتريميز بين ضعف التمثيل السياسي والتفاوت في الخدمات، مستشهداً بقرية تابعة لمقاطعة النعمة قال إن جزءها الجنوبي، الذي تقطنه أسر من لحراطين، لا يزال يعتمد على الآبار، وتوجد فيه مدرسة من حجرة طينية، بينما تتوفر في الجانب الآخر من القرية شبكة مياه ومدرسة قديمة ونقطة صحية وخدمات ريفية.
وتظل هذه الحالة بحاجة إلى تحقق ميداني ورد من السلطات المحلية، لكنها تقدم نموذجاً لما يصفه ناشطون بتفاوت تنموي داخل المجال الجغرافي الواحد.
حضور انتخابي لا ينعكس على القرار
يرى الكاتب سيدي محمد ولد إسلمو أن لحراطين يمثلون كتلة سكانية وانتخابية مؤثرة، لكن علاقتهم ببعض النخب السياسية ظلت موسمية؛ إذ يحضرون في الحملات والتجمعات وصناديق الاقتراع، ثم يغيبون عند إعداد اللوائح وتوزيع المسؤوليات والمشروعات.
وقدم الإطار حننه ولد أمبيريك معطيات متداولة تفيد بأن تمثيل لحراطين في برلمان الحوض الشرقي ومجالسه البلدية يظل محدودا مقارنة بثقلهم الانتخابي، كما أشار إلى أن أربعة عمد فقط من أصل 37 عمدة في الولاية يُحسبون على المكوّن.
وتحتاج هذه الأرقام إلى المطابقة مع اللوائح الرسمية، إلا أنها أعادت فتح النقاش حول مدى عدالة آليات الترشيح داخل الأحزاب.
وفي السياق ذاته، كتب ازيدبيه جعفر أبيبو أن لحراطين يشكلون الخزان الانتخابي الذي تراهن عليه القوى السياسية في كل موسم، بينما يظل تمثيلهم في الدوائر الانتخابية ومواقع المسؤولية محدوداً، معتبرا أن المطالبة بتصحيح هذا الواقع تنسجم مع خطاب الإنصاف ومعالجة المظالم التاريخية.
أما جدنا مدخون، فرأى أن لحراطين شريك أساسي في التوازنات الاجتماعية والسياسية للولاية، وأن العدالة تقتضي انعكاس هذا الحضور في الترشيحات والمناصب على أساس الكفاءة والاستحقاق.
هيمنة النخب التقليدية
يذهب الإطار مولاي مسعود إلى أن أزمة الحوض الشرقي لا تنفصل عن استمرار هيمنة النخب والزعامات التقليدية على الحياة السياسية منذ بداية المسار الديمقراطي سنة 1992.
ويرى ولد مسعود أن بعض هذه النخب قدمت مصلحة القبيلة والتحالف المحلي على المصلحة العامة، وحافظت على نفوذها من خلال المال والسلطة والعلاقات الاجتماعية، في مقابل إبعاد الشباب المتعلم وضعف التجديد السياسي.
ويقول إن الدولة منحت شخصيات من المنطقة فرصا سياسية وإدارية واقتصادية، غير أن ذلك لم يتحول، بحسب تقييمه، إلى تنمية متوازنة أو بناء مؤسسات محلية قوية، وظلت قطاعات من السكان مرتبطة بالنخب خلال الانتخابات فقط.
كما اعتبر أن غياب التأطير السياسي والتثقيف المدني والاتصال المستمر بالقواعد الشعبية ساهم في اتساع الاستياء، خصوصاً في صفوف الشباب والفئات الهشة، وفتح المجال أمام تنامي الخطاب المعارض.
وتستند هذه القراءة إلى تجربة شخصية قال ولد مسعود إنه عاشها خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة، عندما شارك في حملة موازية لاستيعاب ناخبين غاضبين من أداء بعض المنتخبين والوجهاء، بمشاركة ازيدبيه جعفر بيبو.
من المسؤول؟
لا تقدم الكتابات دليلا على وجود جهة واحدة تدير الإقصاء بقرار معلن، لكن مضمونها يكشف عن شبكة مسؤوليات متداخلة.
تتحمل قيادات الأحزاب جانبا من المسؤولية عندما تمنح المرشحين التقليديين أولوية دائمة، وتتعامل مع لحراطين بوصفهم قوة تصويت لا قوة ترشيح وقرار.
كما تتحمل الزعامات المحلية مسؤولية إعادة إنتاج التحالفات نفسها، وإغلاق المجال أمام نخب شبابية جديدة، فيما تتحمل الإدارات والمنتخبون مسؤولية قانونية وسياسية إذا ثبت توزيع الخدمات على أساس اجتماعي أو انتخابي.
وفي المقابل، يشير محمد الأمين السالك إلى أن تشتت نخب لحراطين واختلاف مواقفهم وعدم قدرتهم على بناء تنسيق موحد يجعل أصواتهم قابلة للاحتواء، ويضعف قدرتهم على فرض ترشيحات تعكس وزنهم.
حرمان سياسي وتنموي
يرتبط ضعف التمثيل، وفق هذه الكتابات، بواقع أشمل من الفقر ونقص المياه والمدارس والصحة والتشغيل في عدد من القرى.
وحين يغيب التمثيل الفاعل عن مناطق تعاني أصلا من الهشاشة، يصبح الحرمان دائرة متوارثة: الفقر يضعف التعليم والتنظيم، وضعف التنظيم يقلل القدرة على التأثير، وغياب التأثير يؤخر وصول الخدمات والمشروعات.
وقد حذر مولاي مسعود في تدوينة أخرى من اتهامات متداولة بشأن رفض أحد العمد تنفيذ مشروعات في قرى يقطنها لحراطين. وهي ادعاءات بالغة الخطورة، لكنها لا يمكن اعتمادها حقيقة قبل تحديد المسؤول المعني، وتوثيق التصريح، ومنحه حق الرد.
ولاتة.. دليل على إمكانية التوازن
استحضر حننه ولد أمبيريك تجربة ولاتة، التي عرفت، وفق ما كتبه، تقليدا محليا في تداول منصب العمدة بين مرشح من لحراطين وآخر من الشرفة.
ويقدم هذا النموذج دليلا على أن التوازن الاجتماعي والسياسي ممكن حين تتوفر إرادة محلية للشراكة، غير أن الإنصاف الدائم ينبغي ألا يبقى رهين التفاهمات المؤقتة، بل يجب أن يقوم على قواعد شفافة داخل الأحزاب والمؤسسات.
خطر يتجاوز الحوض الشرقي
إن استمرار الفجوة بين الحضور الانتخابي والتمثيل السياسي لا يضر لحراطين وحدهم، بل يهدد صدقية العملية الديمقراطية على المستوى الوطني.
فحين تشعر كتلة اجتماعية واسعة بأن صوتها مطلوب بينما طموحها السياسي مؤجل، يتراجع الإيمان بجدوى الانتخابات، وتضعف الثقة في الأحزاب، وقد تتحول المطالب المشروعة إلى احتقان اجتماعي وسياسي.
ولا يكمن الحل في استبدال هيمنة بهيمنة أخرى، وإنما في فتح المجال أمام الكفاءات، وتجديد النخب، وإعلان معايير الترشيح، ونشر بيانات دقيقة عن توزيع المناصب والخدمات، وربط البرامج التنموية بالحاجة لا بالولاء.
فإنصاف لحراطين في الحوض الشرقي ليس امتيازا لفئة، بل اختبار لمدى قدرة الدولة والأحزاب على تحويل العدالة والمواطنة المتساوية من شعارات إلى واقع.



