
لحراطين في مرآة التاريخ: ما غاب عن الرواية وحفظته الوثيقة!!
للحراطين تاريخ أوسع بكثير من الصورة التي اختزلوا فيها طويلا؛ تاريخ تتناثر شواهده في كتب الرحالة الفرنسيين، والمصادر المغربية، وبعض المدونات الأوروبية القديمة، لكنه لم يحظ دائما بما يستحقه من الجمع والتحقيق والإبراز في جانب من الكتابة التاريخية المحلية. فبقيت أسماء رجال ووقائع وشهادات موزعة بين بطون الكتب والأرشيفات، تنتظر من يعيد وصلها بسياقها التاريخي.
ومن بين أهم تلك الشهادات ما كتبه الرحالة الفرنسي رينيه كاييه René Caillié بعد إقامته بين لبراكنة في عشرينيات القرن التاسع عشر وتحديد 1830، قبل رحلته الشهيرة إلى تمبكتو.
نشر رينيه كاييه مشاهداته في كتابه Journal d’un voyage à Temboctou et à Jenné، الصادر في باريس سنة 1830، وخصص في بدايته صفحات لوصف ما سماه “مملكة لبراكنة”، أي المجال السياسي المعروف في المصادر الموريتانية باسم إمارة لبراكنة.
يقدم رينيه كاييه مجتمع لبراكنة بوصفه مجتمعا متعدد الفئات: حسان، وزوايا، وأزناگة، ولحراطين، والعبيد. واللافت أنه لم يجعل لحراطين والعبيد فئة واحدة، بل أفرد لحراطين ضمن تصنيفه الاجتماعي.
ثم يورد عبارته اللافتة:
“Les Haratines fils de hassanes sont guerriers.»)”
أي: “لحراطين الحسان محاربون.”
عبارة وجيزة، لكنها تفتح نافذة على جانب قلما يستعاد من تاريخ لحراطين: رجال يحملون السلاح ويشاركون في المجال العسكري لإمارة لبراكنة، ويصفهم شاهد أوروبي في أوائل القرن التاسع عشر صراحة بأنهم محاربون.
ويذكر كاييه كذلك أن للحراطين مخيمات خاصة بهم، بما يعكس وجود تجمعات اجتماعية واضحة، لا مجرد أفراد متناثرين بين خيام المجموعات الأخرى. أما من ارتبط منهم ببيئة الزوايا، فيذكر أنهم كانوا يتلقون التعليم ويسلكون نهج آبائهم؛ فتظهر أمامنا في الوثيقة صورتان متجاورتان: لحراطين في ميدان الحرب، ولحراطين في ميدان العلم.
كما يصف كاييه جانبا منهم بقلة الخضوع في علاقاتهم الاجتماعية، ويشير إلى أن تحصيل بعض الالتزامات منهم كان يحتاج أحيانا إلى القوة، وأن تنامي ثروتهم كان ينظر إليه أحيانا باعتباره سبيلا إلى مزيد من الاستقلال.
ولا تعني هذه الشهادة أن أوضاع لحراطين كانت واحدة، ولا أنهم عاشوا خارج نظام التراتب الاجتماعي الذي عرفته المنطقة؛ لكنها تكشف بوضوح أن تاريخهم لا يمكن اختزاله في صورة واحدة من الخدمة والتبعية.
وتزداد هذه الصورة وضوحا في المصادر الفرنسية اللاحقة. ففي سنة 1915 يذكر الباحث الفرنسي بول مارتي Paul Marty رجلين من الحراطين هما سلمو Sellemou ومعط مولان Maata Moulana، ويقول إنهما:
“اكتسبا سمعة محاربين شجعان إلى جانب زعماء أولاد دليم.”
كما يذكر في الموضع نفسه أهل أحمد زين، ويقول إنهم ينحدرون من رجل وصفه بأنه “حرطاني من اترارزة يدعى أحمد زين”، ومن هذه الأسرة برز أحمد ولد أعلي ولد أحمد زين، المعروف بـدبيزي، في موقع قيادي داخل جماعته.
وتعود بنا المصادر المغربية إلى زمن أقدم؛ إذ يظهر اسم لحراطين في القضايا الاجتماعية والفقهية والسياسية المرتبطة بعهد السلطان مولاي إسماعيل في أواخر القرن السابع عشر وبداية القرن الثامن عشر، وهو ما يؤكد أن الاسم والحضور التاريخي أقدم بكثير من الحقبة الاستعمارية الفرنسية.
إن تاريخ لحراطين لا يحتاج إلى اختراع أمجاد؛ بل إلى استعادة ما حفظته الوثائق من أسماء وأدوار وشهادات. فحين تقرأ المصادر بعيدا عن الاختزال، ظهروا لحراطين محاربين، ومتعلمين، وأصحاب تجمعات وقيادات وأدوار اقتصادية واجتماعية، شركاء في صناعة تاريخ هذا المجال الصحراوي شأنهم شأن بقية مكوناته.
المصادر:
رينيه كاييه – René Caillié
Journal d’un voyage à Temboctou et à Jenné, dans l’Afrique Centrale, précédé d’observations faites chez les Maures Braknas…، باريس، المطبعة الملكية Imprimerie Royale، 1830.
بول مارتي – Paul Marty
Les tribus de la Haute Mauritanie، باريس، Comité de l’Afrique française، 1915.
بول مارتي – Paul Marty
Études sur l’Islam et les tribus Maures: Les Brakna، باريس، مطلع القرن العشرين.
ومن المصادر المغربية: الوثائق والرسائل الفقهية المرتبطة بقضية لحراطين في عهد السلطان مولاي إسماعيل، ولا سيما رسالة القاضي العربي بردلة وقضية عبد السلام جسوس في مطلع القرن الثامن عشر.
كتبه : الخبير والناشط السياسي “ازيدبيه ولد احديد



