
تقرير نادي القضاة يرصد اختلالات بنيوية ويطالب بإصلاح شامل لتعزيز استقلال القضاء والأمن القضائي
باركيول نت (نواكشوط) أصدر نادي القضاة الموريتانيين تقريره السنوي لسنة 2025 حول واقع السلطة القضائية، قدّم فيه قراءة تقييمية شاملة لمسار إصلاح العدالة ومؤشرات الأداء، في إطار متابعة تنفيذ الوثيقة الوطنية لإصلاح وتطوير العدالة، وانتقل فيه من منطق النوايا والإعلانات إلى تقييم النتائج الفعلية على أرض الواقع.
وسجل التقرير أن استقلال القضاء، بوصفه أحد الركائز الجوهرية لدولة القانون، ما يزال يواجه اختلالات هيكلية عميقة، تتجلى في هشاشة معايير تحويل القضاة، وغياب آليات فعالة للطعن والتظلم، وضعف شفافية التقييم، وهو ما اعتبره التقرير تفريغًا للاستقلال من مضمونه الوظيفي وتحويله إلى ضمانة غير مكتملة الأثر.
وفي ما يتعلق بتنفيذ الوثيقة الوطنية لإصلاح وتطوير العدالة، أشار التقرير إلى غياب أي تقدم عملي ملموس، رغم مرور أكثر من سنتين على المصادقة عليها، نتيجة عدم إصدار قانون برمجة خاص بها، ما خلق فراغًا تشريعيًا وتنفيذيًا انعكس سلبًا على وتيرة الإصلاحات المقررة، وأبقى الوضع القضائي في حالة جمود.
وعلى مستوى الإطار الدستوري والقانوني، خلص التقرير إلى غياب أثر إصلاحي فعلي، سواء فيما يتعلق بتعديل الدستور أو مراجعة النظام الأساسي للقضاء، معتبرًا أن النصوص الحالية لا تزال تعاني من قصور بنيوي يحد من قدرتها على ضمان استقلال فعلي وفعّال للسلطة القضائية، ويضعف مكانتها داخل البناء المؤسسي للدولة.
كما رصد التقرير اختلالات واضحة في التنظيم القضائي والخريطة القضائية، حيث تعاني بعض المقاطعات من فائض غير مبرر في عدد المحاكم، مقابل ضغط متزايد على محاكم أخرى، فضلًا عن عدم مواكبة البنية الحالية للتطور النوعي للنزاعات المستحدثة، مثل الجرائم السيبرانية والنزاعات التجارية والمالية المعقدة.
وفي محور القوانين الإجرائية، أشار التقرير إلى وجود فراغات وغموض وتعدد في التأويل، ما أدى إلى تفاوت التطبيق القضائي، وبطء البت في القضايا، وعدم استقرار المراكز القانونية، وهو ما أثّر سلبًا على الأمن القضائي وثقة المتقاضين في العدالة.
كما تناول التقرير وضعية القضاة، مبرزًا أن التحسن المسجل في بعض الجوانب المادية يظل جزئيًا، ولا يعوّض غياب إصلاحات هيكلية شاملة تشمل التكوين المهني المستمر، والإطار القيمي والأخلاقي، والضمانات القانونية الكفيلة بتعزيز الاستقلال والطمأنينة المهنية.
ورصد التقرير ضعف الحماية المؤسسية للقضاة من حملات التشويه والإساءة والابتزاز، لا سيما عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مع غياب آليات قانونية فعالة وسريعة للتصدي لهذه الممارسات، ما ينعكس سلبًا على هيبة القضاء وثقة الرأي العام فيه.
وفي ما يتعلق بمكانة السلطة القضائية داخل الدولة، خلص التقرير إلى وجود اختلال بنيوي في البيئة المؤسسية المحيطة بالقضاء، يتمثل في ضعف الحضور الرمزي والاعتباري، وتراجع التواصل المؤسسي، ومحدودية الموارد المالية والبنى التحتية للمحاكم، وهو ما قيد قدرة القضاء على أداء رسالته باستقلال ونجاعة.
وأكد التقرير أن الأمن القضائي بات مؤشرًا مركزيًا لقياس جودة العدالة، مشيرًا إلى أن بطء الإجراءات وتعقيدها، وضعف تنفيذ الأحكام، وقصور التواصل مع المتقاضين، يؤثر سلبًا على الثقة العامة وعلى استقرار المعاملات القانونية والاقتصادية.
وفي خاتمته، ثمن نادي القضاة بعض الخطوات الإيجابية التي اتخذتها السلطات العمومية لتحسين ظروف القضاة وتعزيز استقلالهم، لكنه شدد على أن إصلاح القضاء لا يمكن أن يكتمل إلا من خلال رؤية شاملة ومندمجة، تقوم على إصلاحات تشريعية عميقة، وتطوير التنظيم القضائي، وتعزيز الموارد والحماية المؤسسية، وتسريع رقمنة الإجراءات.
ودعا التقرير إلى الإسراع بإصدار قانون برمجة للوثيقة الوطنية لإصلاح وتطوير العدالة، ومراجعة الإطار الدستوري المنظم للسلطة القضائية، وتعزيز استقلال المجلس الأعلى للقضاء، وتحسين نظام المعاشات، وضمان شفافية تسيير الموارد القضائية، باعتبار ذلك مدخلًا أساسيًا لتعزيز استقلال القضاء وترسيخ ثقة المواطنين في العدالة.



