أفق الثقافة

المدح وبنجه

المدح و«بنجه» تقليدان أدائيان مجندران في الغالب داخل الثقافة الحسانية. فـ«بنجه» تُعد في معظم السياقات ممارسة نسائية، بينما ارتبط المدح تاريخيًا بالرجال، سواء من حيث الأداء أو المكانة الرمزية داخل الفضاءات الدينية والاجتماعية. غير أن هذه القاعدة ليست مطلقة، إذ تكشف الممارسة التاريخية عن استثناءات مناطقية وزمنية تجعل الجندرة في هذه التقاليد أكثر دينامية مما توحي به الصورة العامة. فالمجال الأدائي لا يغلق بالكامل أمام العبور بين الجنسين، بل يسمح أحيانًا بظهور نماذج فردية تتجاوز التقسيم السائد وتعيد تشكيله.

من أبرز هذه الاستثناءات التي أمكن رصدها حتى الآن نموذج المدّاحة الشهيرة فاطمة منت ابليل، المعروفة بلقب أم أحويلي (1921-2008) فقد برزت بوصفها حالة فريدة لامرأة تمارس المدح لا باعتباره أداء عابرا، بل بوصفه مشروعا إبداعيا مكتملا أبدعت نصوصه وأنثتها وحورت أدائه ليناسب أصوات وحناجر النساء. تركت أم أحويلي رصيدا غنيا من المدائح المتداولة مثل( خادم للنبي هيدانه، ليان لما يليان، بالنبي وعلي ياه يي، غال ألا زوج أم المؤمنين، المدح إلى صبت نواليه، زين الليله، جاورت نحو المختار، عفاك وعفاك، الشفاعة من ذا لها وغيرها).

في هذه التجربة لا يقتصر الأمر على مشاركة نسائية في مجال ذكوري تقليدي، بل يتجسد ما يمكن تسميته بإبداع مؤنث للمدح من حيث النبرة والأداء والإبداع والبناء التخليلي للنص. تتجلى أهمية تجربة أم أحويلي أيضًا في قدرتها على خلق سلسلة او نماذج مريدين حافظوا على أسلوبها الأدائي ونقلوه لأجيال لاحقة. من أبرز هؤلاء المدّاح المعروف في مدينة أطار لمام ولد منه، الذي يُعد أحد أكثر المريدين وفاءً لمدرسة “شيخته” أم أحويلي. فعلاقة الإثنين لم تقتصر على التأثر الفني، بل تتخذ شكل علاقة تعليم روحي وأدائي في آن واحد، حيث تنتقل أنماط الأداء والذائقة المديحية عبر صلة المريد بالشيخة في حالة مثيرة للاهتمام تستحضر العلاقات الروحية في الطرق الصوفية التي يعتبر مدح الحراطين خارج نموذجها الصوفي وان احتفظ ببعض وشائجها الروحية التعبدية. في هذه الظاهرة المريدية الاستثنائية يلاحظ أن جندرة المدح والتقاليد الموسيقية الصحراوية ليست ثابتة، بل مفتوحة على تبادلات معكوسة؛ إذ يمكن أن نصدّر النساء مريدين من الرجال كما يمكن أن يحدث العكس. هذه الدينامية تظهر أيضًا في مسار المدّاح الكبير محمد ولد محمد العبد الملقب “لحرير” (1945–1994).

فقد صدر بدوره عددًا من المداحات النساء، حتى ولو بصفة مختلفة عن النمذج المعكوس للمداح لمام ولد منه. حسب البحوث القليلة المتاحة، ربما كان لحرير نفسه قد تأثر في بداياته بحلقات مدح نسائية. يشير الباحث حمود المصطفى السالك إلى أن حلقات المدح النسائي المعروفة بـحلقات مدح «بنات أهل أيده» من أهل نوح (البوساتيات) في منطقة أفله كانت مصدر إلهام أولي للحرير. في المقابل يجادل الباحث والسفير محمد لمين ولد إبراهيم بأن نموذج لحرير كان نتيجة لعلاقة تصدير تعود بدايتها للمداح بلال ولد كمب الذي نشر نمط المدح الانشيري في بوتلميت، وعنه أخذ لحرير قبل أن يطوّر نموذجه الخاص في «كيفه»، معلنًا بذلك ميلاد مدرسة مديحية مميزة في الشرق الموريتاني.

ضمن هذا السياق يمكن فهم أداء لمام ولد منه بوصفه استمرارًا حيًا لهذه السلسلة المريدية. في المقطع القصير الذي سجلته الشاعرة الوالدة منت لمام رفقة الصحفية آمنة زيدان خلال رحلة توثيقية أشرفت عليها قبل عامين، يشدو لمام بأسلوب عفوي مرتجل في منزل اسغيره منت ميصاره، ابنة المدّاحة الراحلة أم أحويلي، بإحدى مدائح السيرة الملحمية لشيخته: “يا ال تبقي للمدح الزين”. في هذا الأداء يحرص لمام على الاقتراب قدر الإمكان من أسلوب شيخته الراحلة، وهو ما يفاخر به دائمًا، مؤكدًا بذلك أن العلاقة المريدية هنا ليست مجرد نقل للنصوص، بل استعادة لأثر صوتي وأدائي يسعى المريد إلى تجسيده بوصفه امتدادًا لسلطة ومكانة الشيخة الرمزية داخل تقليد المدح. بهذا المعنى، تكشف هذه الحالات عن أن المدح الحرطاني ليس مجرد تقليد ديني أو موسيقي، بل حقل اجتماعي تتفاوض وتتكسر داخله علاقات الجندر، والسلطة الرمزية، وسلاسل الإلهام والمريدية بصورة أكثر مرونة وتعقيدًا مما توحي به التقسيمات التقليدية بين ماهو رجالي وما هو نسائي.

بقلم الكاتب والباحث الدكتور الحاج ولد إبراهيم

اظهر المزيد

باركيول نت

منصة إعلامية موريتانية مستقلة، تعنى بالثقافة والتراث وتواكب الأحداث الوطنية والدولية بمهنية. هدفنا إنارة الرأي العام بمحتوى رصين يعكس نبض المجتمع وقيمه. نلتزم الدقة والمصداقية واحترام الحقوق وحق الرد والتصحيح وفق القانون وبالتحقق قبل النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى