
العبودية فى السياق القرآني الحلقة 1
مقاربة فى سياقات متعددة
الفقيه الدكتور: الشيخ ولد الزين ولد الامام
إن العلاقة بين الخالق والمخلوق في التصور القرآني ليست مستوى واحدًا، بل هي مراتب متصاعدة، تبدأ من أصل الخلق، ثم ترتقي إلى مقام العبودية، ثم تبلغ ذروتها في العبودية الاختيارية الكاملة.
فأول هذه المستويات هو مستوى المخلوقية العامة، وهو المستوى الذي يشترك فيه جميع ما سوى الله؛ إذ الكل حادث مفتقر في أصل وجوده، لا قيام له بذاته.
وهذا ما يؤكده القرآن الكريم في رده على دعوى الولد والبنوة: {إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً}،
وقد نصّ الطبري في تفسيره على معنى جامع بالغ الدقة فقال: “لا نسب بينه وبينه”، أي إن كل من سوى الله داخل في دائرة المخلوقية والافتقار، فلا معنى لدعوى البنوة أو المشاركة في الحقيقة الإلهية.
غير أن هذا المستوى – مع كونه أصلًا – لا يكفي وحده لتمييز الإنسان؛ لأن سائر الموجودات تشاركه فيه.
ومن هنا يرتقي الخطاب القرآني إلى مستوى ثانٍ هو الخضوع الكوني والتسخير العام؛ فالسموات والأرض، والملائكة، وسائر الموجودات، كلها منقادة لأمر الله قهرًا، لا تملك خروجًا عن سننه.
وهذه عبودية كونية عامة، لكنها عبودية اضطرارية لا تتعلق بالاختيار ولا بالتكليف، ولذلك لا يظهر فيها معنى التفاضل الأخلاقي.
ثم تأتي المرتبة التي اختُصّ بها الإنسان والجن، وهي العبودية المقصودة بالتكليف، كما في قوله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}.
وقد قرر ابن كثير – ناقلًا عن ابن عباس واختيارًا لابن جرير الطبري – أن معنى الآية: “إنما خلقتهم لآمرهم بعبادتي، لا لاحتياجي إليهم”، وهو معنى بالغ الأهمية؛ لأنه يقرر أن العبودية هنا ليست لمصلحة الخالق، بل لمصلحة العبد نفسه.
وهنا تظهر المرتبة الفارقة: فالإنسان ليس مجرد مخلوق، بل مخلوق قادر على أن يتحول إلى عبدٍ مختار.
وهذا المستوى لم يتح لسائر المخلوقات إمكانه؛ لأن الجماد والنبات والحيوان يحققون الخضوع بحكم الخلقة، أما الإنسان فقد أُعطي العقل والإرادة، فصار قادرًا على أن يطيع أو يعصي.
ولذلك كان مقامه أعلى من حيث الإمكان؛ لأن الطاعة الصادرة عن اختيار أرفع من الخضوع الصادر عن الاضطرار.
ولهذا أمكن القول إن العبودية الإنسانية هي مرتبة كمالية لا مجرد وصف وجودي. فالإنسان يشترك مع سائر المخلوقات في أصل الخلق، لكنه يمتاز عنها بإمكان الترقي في العبودية.
وقد أشار القرطبي إلى هذا المعنى في تفسيره لقوله تعالى: {إلا ليعبدون} بقوله: “ليوحدون”، أي ليحققوا معرفة الله والانقياد له على وجه الوعي والإرادة.
ومن هنا نفهم لماذا كان وصف النبي ﷺ بالعبد في أعلى مقاماته وصفَ تشريف، كما في قوله تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده}؛ لأن العبودية هنا ليست مجرد انتماء إلى جنس المخلوقين، بل هي كمال العلاقة الممكنة بين الممكن وواجب الوجود. فالملائكة يطيعون ولا يعصون، لكن الإنسان إذا أطاع مع قدرته على المخالفة، بلغ رتبة أخصّ في معنى القرب والطاعة.
فليست العبودية نزولًا عن مقام المخلوقية، بل هي ارتقاء داخلها؛ إذ يتحول الإنسان من مجرد موجود حادث إلى عبدٍ عارفٍ مختار، وهذه هي الرتبة التي لم تبلغها المخلوقات الأخرى على هذا الوجه.
ولعل هذه هي الفكرة المركزية التي يقررها القرآن في مقابل دعوى البنوة فليس شرف الإنسان في أن يُتوهم له نسب إلى الله، بل في أن يحقق أكمل مراتب العبودية له.
إن الانحراف في تصور العلاقة بين الخالق والمخلوف هو الذي أنتج دعوى “البنوة”، والقرآن جاء ليهدم هذا الأساس ويعيد بناءه على مقتضى التوحيد ذلك لان استحالة البنوة في حق الله يقررها العقل قبل النقل لان الابن من جنس أبيه ويشتركان فى الذات والنوع وهذا محال فى حق الله
قال تعالى
(قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ (1) ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ (2) لَمۡ يَلِدۡ وَلَمۡ يُولَدۡ (3) وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدُۢ )
ويستلزم ذلك قابلية الاله للانقسام فيتعدد الاله ولقد قال تعالى
(لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ)
وإذا تعددت الآلهة وقع بينها الصراع على الخلق وقال تعالى (ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾
وإذا بطلت دعوى البنوة و من ثم التعدد لا يتصور العقل علاقة أخرى غير المخلوقية غير أن المخلوقية درجات أرفعها فى القرب هي العبودية ..
ولم يكتفِ القرآن ببيان كون الإنسان“مخلوقاً”، بل أكد أنه “عبد”؟
لأن “المخلوقية” وصف وجودي بينما “العبودية” وصف علاقي تكليفي
ولأن العبودية تنفي توهّم الاستقلال
والوجود اامستقل بعد الخلق..
أما العبودية فإنها تعني: دوام الافتقار، لا مجرد الحدوث .
غير انه ينبغي الحذر فى هذا السياق لأن العبودية قد تحيل الى أنها لمصلحة الخالق وهذا ما جاء السياق القرآني لنفي توهمه فالعبودية هنا ليست:لسدّ نقص ولا لجلب منفعة لله قال تعالى
{ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون}
و لعل المفارقة الدقيقة التي يؤسسها القرآن:
فى أن دعوة “البنوة” كان القصد منها طلب الكرامة ولأن دعوى البنوة كاذبة فقد اوضح القرآن الكريم ان غاية التكريم تتحقق تتحقق عن طريق“العبودية”
ولذلك: فإن النبي ﷺ سُمّاه ربه عبدا {سبحان الذي أسرى بعبده}
و يعلّق الرازي على هذا بقوله
“وصفه بالعبودية في أشرف مقاماته؛ لأن العبودية نهاية التواضع لله”
و لعله من المهم التساؤل عن السياق التصوري للعبودية والاستعباد ضمن هذا التصور ؟
إن القرآن الكريم حين يقرر العبودية، إنما يؤسس لعلاقة وجودية وأخلاقية مطلقة بين الإنسان وربه، بينما يتعامل مع الاسترقاق بوصفه واقعًا اجتماعيًا تاريخيًا يخضع لإعادة التوجيه والتقويم، لا للتأسيس العقدي.
ففي ضوء ما سبق، يتبين أن العبودية لله تُبطل من حيث الأصل أي دعوى امتلاكٍ حقيقي لإنسانٍ من إنسان؛ لأن الجميع داخلون في دائرة واحدة: {إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً}.
وقد فهم المفسرون من هذا العموم – كما عند الطبري – أنه نفيٌ لكل نسبة تُخرج بعض البشر من وصف العبودية لله، وفي لوازمه نفي أي سيادة مطلقة لبشر على بشر.
فغاية ما يملكه الإنسان تجاه غيره هو تصرف اعتباري مقيد، لا ملك حقيقي بالمعنى المطلق الذي يختص بالله وحده.
ومن هنا، فإن الاسترقاق في المنظور القرآني لا يُفهم على أنه امتداد لمفهوم “العبودية” لله، بل على العكس: هو وضع بشري طارئ جاء الخطاب القرآني ليحدّه ويُضيّق مجاله ويفتح مسالك إنهائه.
فالقرآن لم ينشئ نظام الرق، بل وجده قائمًا في بنية العالم القديم، فتدخل لإعادة تشكيله ضمن مسار تحريري تدريجي. ويتجلى ذلك في كثافة النصوص التي تجعل العتق مقصدًا متكررًا:
وقد بيّن القرطبي عند تفسير قوله: {فك رقبة} أن ذلك من “أعظم القرب”، لما فيه من “إزالة ملك الآدمي عن الآدمي”، وهو تعبير دقيق يكشف أن المقصد ليس تثبيت الملك، بل تفكيكه.
كما يقرر ابن عاشور أن تكرار تشريع العتق في الكفارات إنما هو “توجيه إلى إبطال الرق على التدريج”، بإيجاد منافذ مستمرة لتحرير الأرقاء.
وفي هذا السياق، يُعاد تأويل العلاقة بين “السيد” و“العبد” في الفقه الإسلامي: فهي ليست علاقة استعلاء ، بل علاقة تنظيم قانوني مؤقت، محكومة بقيود أخلاقية صارمة .
وعلى هذا، يتضح أن الاسترقاق – داخل هذا البناء – يقع في أدنى مستويات العلاقة بين البشر، لأنه قائم على التقييد، بينما الاتجاه القرآني العام يتجه نحو التحرير، بما ينسجم مع الأصل الأعلى: أن الإنسان عبد لله وحده. فكلما تحقق معنى العبودية لله، ضعُف مبرر استعباد البشر بعضهم لبعض .
وخلاصة الأمر أن إدراج الاسترقاق في هذا التصور لا يتم باعتباره امتدادًا للعبودية، بل باعتباره انحرافًا تاريخيًا عالجته الشريعة ضمن مسار إصلاحي تدريجي، حتى يستقر المبدأ الأعلى: لا عبودية مطلقة إلا لله، وما سواها فطارئٌ إلى زوال.
ولعل أكبر معول فى جدار الاسترقاق كان نزع الأساس القيمي له .
ذلك لأنه فى المجتمعات القديمة كان الرقّ يقوم على مبررات حضارية مثل التفوق العرقي، فجاء القرآن ليقرر أن الجميع {بشر ممن خلق}، وأن التفاضل ليس بالنسب بل بالتقوى. وإذا بطل الأساس القيمي، بقي الاسترقاق بلا سند أخلاقي دائم.



