أفق الثقافة

جميل ولد منصور يفتح في ندوة فكرية ملف العبودية وقضية لحراطين: “حديث صريح” بين التاريخ والدين والمجتمع

باركيول نت (نواكشوط) في مقاربة فكرية وحقوقية اتسمت بالهدوء والوضوح، قدم رئيس حزب جبهة المواطنة والعدالة، جميل ولد منصور، محاضرة تناولت موضوع “سؤال العبودية وقضية لحراطين.. حديث صريح”، ضمن ندوة نظمتها هيئة الساحل، وخصصت لنقاش إحدى أكثر القضايا حضورا وحساسية في الذاكرة الاجتماعية والسياسية الموريتانية.

واستهل ولد منصور محاضرته بالتأكيد على أن الحديث عن هذا الملف “لا يحتاج إلى تبرير”، معتبرا أن سؤال العبودية وقضية لحراطين شكلا، خلال العقود الأربعة الأخيرة، إحدى أكثر القضايا إثارة للنقاش في موريتانيا، بين من تناولها نضالا وتحليلا، ومن قابلها بالإنكار أو التهويل أو التجاهل.

وفي المحور الأول من المحاضرة، عاد ولد منصور إلى البعد التاريخي والاجتماعي للعبودية، مؤكدا أن الاسترقاق “مورس على نطاق واسع في المجتمع الموريتاني بكافة مكوناته وفي كل جهاته ومناطقه”، وأن هذه الممارسة خلفت آثارا عميقة في الوعي والسلوك والعلاقات الاجتماعية. كما وصفها بأنها إرث ثقيل من “سلب الحرية والعدوان على الإنسان”، وما ارتبط بذلك من حرمان وتجهيل وتفكيك للروابط الإنسانية.

وتوقف المحاضر عند المسار القانوني لإلغاء الرق، مشيرا إلى أن النصوص القانونية، من مرحلة الاستعمار إلى دولة الاستقلال، ظلت في مراحل عديدة محدودة الأثر في الواقع، قبل أن تتطور المنظومة القانونية لاحقا نحو تجريم الاسترقاق وإنشاء محاكم مختصة. غير أنه رأى أن أهمية هذه المكاسب لا تنفي استمرار الحاجة إلى تفعيلها بجدية، ومواجهة ما وصفه بمقاومة بعض القوى التقليدية أو مظاهر التراخي الرسمي.

وفي الجانب الديني، شدد ولد منصور على ضرورة تحرير النقاش من التوظيف الخاطئ للدين، قائلا إن كثيرا من الممارسات الاستعبادية “بررت وسُوغت باسم الدين”، رغم أن المقاصد الإسلامية، كما عرضها، تتجه إلى تضييق أبواب الرق وتوسيع مسالك العتق والتحرير. وذهب إلى أن الإسلام لم يجعل الرق مقصدا من مقاصده، بل تعامل معه بوصفه واقعا تاريخيا قائما، وفتح أمام تجاوزه مسارا تدريجيا يكرس كرامة الإنسان وحريته.

أما في المحور الثاني، فقد انتقل المحاضر إلى قضية لحراطين بوصفها قضية اجتماعية وسياسية وحقوقية، معتبرا أن هذه الشريحة تمثل إحدى أكبر المجموعات الوطنية عددا، لكنها عانت، بحسب قراءته، من “الغياب أو التغييب” في مجالات متعددة. وربط ذلك باختلال ميزان القوة المادية والمعرفية، وبطء التمكين، وتراكم آثار تاريخية واجتماعية ما تزال حاضرة في الواقع.

وأشاد ولد منصور بإسهام الحركات الحقوقية والتيارات الوطنية في إبراز القضية، مستحضرا أدوار حركة “الحر”، ونجدة العبيد، ومبادرة انبعاث الحركة الانعتاقية “إيرا”، وميثاق لحراطين، إضافة إلى هيئات أخرى قال إنها ساهمت في نقل القضية من الهامش إلى واجهة النقاش العام.

وختم ولد منصور محاضرته بالتأكيد على أن قضية لحراطين أصبحت اليوم قضية رأي عام، تحتاج إلى “اعتدال في التناول، وعقلانية في الاقتراحات، وجدية في الخطوات”، بعيدا عن الإنكار والتهويل، وبما يحفظ وحدة المجتمع ويفتح الطريق أمام معالجة أكثر إنصافا وعمقا.

وتكتسب هذه المحاضرة بعدها الثقافي من كونها لم تقف عند حدود الخطاب الحقوقي المباشر، بل حاولت قراءة الظاهرة في تقاطع التاريخ والدين والاجتماع والسياسة، مقدمة دعوة إلى نقاش وطني أكثر صراحة واتزانا حول الذاكرة والعدالة والكرامة الإنسانية.

اظهر المزيد

باركيول نت

منصة إعلامية موريتانية مستقلة، تعنى بالثقافة والتراث وتواكب الأحداث الوطنية والدولية بمهنية. هدفنا إنارة الرأي العام بمحتوى رصين يعكس نبض المجتمع وقيمه. نلتزم الدقة والمصداقية واحترام الحقوق وحق الرد والتصحيح وفق القانون وبالتحقق قبل النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى