أفق الثقافة

النـواة الأولى للصحافـة الموريتانية بدايات الصحافة في موريتانيا 1949 – 1964

تشكل الفترة الممتدة ما بين 1949 و1964 المرحلة التأسيسية الأولى للصحافة في موريتانيا، وهي مرحلة ارتبطت بسياقين متداخلين: سياق استعماري كانت فيه الكلمة المكتوبة أداة توجيه وإدارة، وسياق وطني ناشئ بدأت فيه النخب السياسية تستخدم الصحافة كوسيلة تعبير ونضال.

البداية كانت مع نشرة التاريخ الموريتاني، التي صدر عددها الأول بتاريخ 16 مارس 1949، بإشراف حكومة إفريقيا الغربية الفرنسية، و جاءت هذه النشرة الشهرية لتعكس رؤية الإدارة الاستعمارية للأوضاع المحلية، مركزة على الأخبار والتقارير ذات الطابع الإداري، وموجهة أساسا لتأطير الرأي العام أكثر من كونه التعبير عنه.

ومع بداية تشكل الوعي السياسي الوطني، ظهرت صحف حزبية حملت خطابا مختلفا، من أبرزها صحيفة باريس موريتانيا التي صدر عددها العاشر في 15 أبريل 1951 عن حزب الوفاق الموريتاني، و تولى إدارتها السياسية حرمة ولد ببانه، بينما كان أدي ولد سيدي باب مديرها الناشر، وطبعت في المطبعة الإفريقية الكبرى، مثلت هذه الصحيفة خطوة متقدمة نحو صحافة ذات توجه سياسي واضح، تعكس طموحات نخبة وطنية بدأت تبحث عن موقعها في المشهد العام.

وفي سياق تصاعد التنافس السياسي، ظهرت صحيفة التنوير الموريتاني يوم 25 فبراير 1957، كمنبر لحزب الاتحاد التقدمي الموريتاني، و تميزت هذه الصحيفة بكونها ثنائية اللغة (العربية والفرنسية)، في دلالة على طبيعة المرحلة وتركيبة النخبة، تولى سيد المختار يحيى انجاي إدارتها، بينما كان المختار ولد داداه مديرا مندوبا، وقد عكست توجها سياسيا وتنظيميا أكثر نضجا، مع خطاب يسعى للتأثير في مسار التحول السياسي.

ومع اقتراب لحظة الاستقلال، دخلت الدولة نفسها على خط الإنتاج الإعلامي، حيث أصدرت في 1 أبريل 1958 صحيفة موريتانيا الجديدة”، كجريدة رسمية تعبر عن توجهات الحكومة وتنقل سياساتها، و شكلت هذه الصحيفة أداة اتصال مؤسساتية بين السلطة والمجتمع، في مرحلة كانت الدولة فيها بصدد بناء شرعيتها وأجهزتها.

بعد الاستقلال، بدأت ملامح صحافة أكثر جرأة واستقلالا في الظهور، وكان أبرز تجلياتها صحيفة صوت الشعب التي صدر عددها الأول بتاريخ 10 يناير 1964، أسسها الزعيم بوياكي ولد عابدين، وتولى سيدي محمد ولد محمد فال إدارة نشرها، تميزت هذه الصحيفة بخطها التحريري الوطني التقدمي، وبموقفها المعارض للسلطة القائمة آنذاك، ما جعلها تجربة قصيرة لكنها لافتة في تاريخ الصحافة الموريتانية، حيث تعرضت أعدادها في الغالب للمصادرة قبل أن يتم حظرها.

إن هذه التجارب، على اختلاف خلفياتها وتوجهاتها، تمثل اللبنات الأولى في بناء الصحافة الموريتانية، فمن نشرة استعمارية موجهة، إلى صحف حزبية تعكس صراع الأفكار، وصولا إلى محاولة تأسيس صحافة مستقلة، يتضح أن الصحافة في موريتانيا نشأت في قلب التحولات السياسية الكبرى، وكانت مرآة لها وأداة من أدواتها.

ملاحظة : تعد صوت الشعب أول صحيفة سياسية مستقلة في موريتانيا، و جسدت تجربة مبكرة لصحافة الحرة، رغم قصر عمرها، وهو ما يعكس طبيعة المرحلة وحدود حرية التعبير آنذاك.

بقلم الباحث : محمد سالم ولد لكبار

اظهر المزيد

باركيول نت

منصة إعلامية موريتانية مستقلة، تعنى بالثقافة والتراث وتواكب الأحداث الوطنية والدولية بمهنية. هدفنا إنارة الرأي العام بمحتوى رصين يعكس نبض المجتمع وقيمه. نلتزم الدقة والمصداقية واحترام الحقوق وحق الرد والتصحيح وفق القانون وبالتحقق قبل النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى