أفق الثقافة

كيهيدي أول مدينة موريتانية خضعت للتخطيط الحضري الحديث

تكشف وثيقة استعمارية مهمة صادرة بتاريخ 20 فبراير 1904 عن جانب لافت من تاريخ العمران والإدارة في موريتانيا، يتعلق بمدينة كيهيدي التي كانت آنذاك إحدى أبرز الحواضر الواقعة على ضفة نهر السنغال.

فالوثيقة عبارة عن قرار صادر عن الحاكم العام لإفريقيا الغربية الفرنسية يمنح بموجبه التنازل النهائي للتاجر ماري كالان عن قطعة أرضية تحمل الرقم 14 مكرر من المخطط العقاري لمدينة كيهيدي.

وللوهلة الأولى قد يبدو الأمر مجرد إجراء إداري يتعلق بمنح قطعة أرض لأحد التجار، غير أن القراءة المتأنية للوثيقة تكشف معطيات تاريخية بالغة الأهمية، فالقرار يشير بوضوح إلى وجود مخطط عمراني للمدينة، وإلى قطع أرضية مرقمة ومحددة المعالم، كما ينص على التزام المستفيد بالبناء داخل الحدود المرسومة للقطعة المخصصة له، وهو ما يعكس وجود سياسة عمرانية قائمة على التخطيط المسبق والضبط العقاري واحترام قواعد التهيئة الحضرية.

وتزداد أهمية هذه المعطيات عندما نعلم أن القرار يستند إلى نص أقدم صادر سنة 1892 ينظم شروط منح الأراضي في “اسكال كيهيدي”، ما يدل على أن المدينة كانت تخضع منذ نهاية القرن التاسع عشر لمنظومة تنظيمية خاصة بالعمران واستغلال المجال الحضري.

ولم يكن هذا التطور العمراني معزولا عن المكانة الإدارية التي تمتعت بها المدينة، ففي 8 مارس 1895 أصدر الحاكم العام لإفريقيا الغربية الفرنسية قرارا بإنشاء دائرة كيهيدي، بعد اقتطاع أجزاء من دائرتي ماتام وبودور وإلحاقها بها، وهو ما يعكس الأهمية الاستراتيجية التي كانت تحتلها المدينة في تلك الفترة.

غير أن هذه المكانة تعرضت لانتكاسة مؤقتة سنة 1903 عندما ألغت الإدارة الاستعمارية دائرة كيهيدي ضمن مراجعة إدارية شاملة؛ فألحقت الضفة اليمنى بنظام حماية “بلاد البيظان”، بينما أُعيدت الضفة اليسرى إلى دائرة ماتام.

لكن هذا الوضع لم يدم طويلا. فمع التقدم الفرنسي داخل الأراضي الموريتانية وبدء تنظيم الإدارة الاستعمارية الجديدة، عادت كيهيدي سريعا إلى واجهة الأحداث، ففي 18 أكتوبر 1904 صدر المرسوم المنشئ للإقليم المدني الموريتاني، وأصبحت منطقة گورگل دائرة إدارية مستقلة، ثم جاء قرار 25 ديسمبر 1905 الذي أنشأ دائرة كوركل وجعل من كيهيدي عاصمة لها.

  • ومن خلال ما تكشفه الوثائق المتوفرة حاليا، يمكن القول إن كيهيدي لا تعد فقط من أقدم المدن الإدارية في موريتانيا الحديثة، بل قد تكون أيضاً أول مدينة موريتانية نعثر بشأنها على وثائق أرشيفية تثبت وجود تخطيط حضري حديث، قائم على مخطط عمراني واضح، وتقسيمات عقارية مرقمة، وقواعد قانونية منظمة للمجال الحضري.

ولا ينتقص هذا الاستنتاج من القيمة التاريخية والحضارية لمدن أخرى، التي ازدهرت منذ قرون وشكلت مراكز علمية وتجارية وثقافية كبرى في بلاد شنقيط، غير أن نشأتها العمرانية تمت وفق أنماط تقليدية مختلفة عن مفهوم التخطيط الحضري الحديث الذي ظهر لاحقا مع الإدارة الاستعمارية.

لذلك تبدو كيهيدي، في ضوء ما تكشفه الوثائق المتاحة حتى الآن، واحدة من أوائل المدن الموريتانية التي دخلت مبكراً في تجربة التنظيم العمراني الحديث والإدارة الترابية المهيكلة.

ويبقى البحث في الأرشيف الاستعماري مجالا مفتوحا لاكتشاف المزيد من الحقائق حول نشأة الحواضر الموريتانية الحديثة وتطور العمران والإدارة في البلاد، فقد تحمل الوثائق التي لم تستكشف بعد معطيات جديدة قد تدفع إلى مراجعة كثير من المسلمات المتعلقة بتاريخ المدن الموريتانية.

بقلم الاستاذ ‏محمد سالم ولد لكبار‏

اظهر المزيد

باركيول نت

منصة إعلامية موريتانية مستقلة، تعنى بالثقافة والتراث وتواكب الأحداث الوطنية والدولية بمهنية. هدفنا إنارة الرأي العام بمحتوى رصين يعكس نبض المجتمع وقيمه. نلتزم الدقة والمصداقية واحترام الحقوق وحق الرد والتصحيح وفق القانون وبالتحقق قبل النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى