تحت الضوء

ثـلاث ساعـات أمـام الصحافـة مؤتمـرغـزواني يثير الإشـادة ويشعل جدل الغلاء والحقوق

بعد نحو سبع سنوات من توليه السلطة، عقد الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني مساء الجمعة 24 يوليو 2026 ثاني مؤتمر صحفي مباشر له مع الصحافة الوطنية، في لقاء استمر قرابة ثلاث ساعات، وتناول ملفات الحكم والفساد والحريات والاقتصاد والأمن والوحدة الوطنية.

منح طول الغياب المؤتمر أهمية سياسية وإعلامية خاصة؛ فالمؤيدون رأوا فيه تحولا في تواصل الرئاسة مع الجمهور، بينما اعتبر معارضون أن بعض القضايا المعيشية والحقوقية البارزة ظلت خارج النقاش.

الدستور والفساد وقانون الرموز

في موضوع المأموريات، أحال الرئيس إلى الدستور وإرادة الشعب، مؤكدا أن أولويته هي تنفيذ البرنامج الذي انتخب على أساسه. وقد رأى مؤيدوه في ذلك تأكيدا لاحترام الدستور، فيما اعتبر النائب المعارض يحيى اللود أن الإجابة لم تغلق باب التأويل بشأن المأمورية الثالثة.

وفي ملف الفساد، أكد الرئيس استمرار المحاسبة وفق القانون، وقال إن صفقات التراضي تراجعت من أكثر من 27% سنة 2019 إلى 4.6% نهاية 2025. كما دعا الصحافة والمجتمع إلى تقديم الأدلة عند إثارة شبهات الفساد، رافضا الاتهامات العامة.

لكن يحيى اللود رأى أن الدولة، بأجهزتها الرقابية والقضائية، تتحمل المسؤولية الأولى عن كشف الفساد، وأن ما قدمه الرئيس لم يكن كافيا بعد سنوات من الحكم.

أما حرية التعبير، فوصفها الرئيس بأنها من ركائز الديمقراطية، مع ربطها بالمسؤولية القانونية. ودافع عن قانون الرموز باعتباره وسيلة لحماية الدولة والمجتمع من الخطابات الفئوية والعنصرية، لا لحماية شخص الرئيس. وقد اعتبر محمد جميل منصور أن حديث الرئيس عكس توجها يربط الحرية بالمسؤولية، بينما ظل القانون محل تحفظ لدى معارضين وحقوقيين.

الاقتصاد والطاقة والأمن

عرض الرئيس أرقاما تتعلق بالمديونية والعجز والتضخم والغاز، وميز بين امتلاك الموارد وتحولها إلى ثروة فعلية قابلة للاستغلال. ورأى الخبير الاقتصادي عبد القادر محمد أن هذا التمييز صحح مفهوما شائعا يساوي بين وجود الموارد وتحقيق الرخاء الفوري.

وفي الأمن الطاقوي، قال الرئيس إن البلاد تعمل على زيادة احتياطاتها تحسبا لاضطراب الإمدادات، موضحا أن طاقة التخزين بلغت 182 ألف متر مكعب في نواذيبو و60 ألفا في نواكشوط، مع مشروع جديد في العاصمة بسعة إضافية قدرها 123 ألف متر مكعب.

كما تناول تحديات الساحل والهجرة واللجوء والعلاقات الإقليمية، مؤكدا ضرورة تعزيز قدرات البلاد الأمنية والاقتصادية. ووصف المملكة العربية السعودية بأنها شريك استراتيجي، مشددا على متانة العلاقات السياسية والدينية والاقتصادية والثقافية بين البلدين.

في المقابل، انتقد يحيى اللود غياب الغلاء وارتفاع كلفة المعيشة، معتبرا أن المؤشرات الاقتصادية لا تكفي ما لم يشعر المواطن بأثرها في الأسعار والخدمات والقدرة الشرائية.

اللحمة الاجتماعية والغبن

كان حديث الرئيس عن حصيلة حكمه من أكثر مقاطع المؤتمر حضورا في تعليقات المؤيدين، إذ عبّر عن رغبته في مغادرة السلطة وقد تعززت الوحدة الوطنية، وتراجعت مظاهر الغبن والهشاشة، وأصبح المواطنون شركاء في ثمار التنمية.

ورأى عمدة تكوبره حمزة جعفر أن هذا الطرح يضع المظالم التاريخية في صميم الحوار الوطني، ويمنحه معنى يتجاوز الترتيبات الحزبية. كما اعتبر الخبير القضائي ازيدبيه ولد احديد أن نجاح الحكم لا يقاس بعدد المشاريع وحده، بل بمدى تراجع الغبن وشعور الفئات الهشة بأن الدولة تمثلها.

أما النائب السابق اصغير ولد العتيق، فرأى أن الرئيس لم يتفاخر بالإنجازات أو يدعِ اكتمالها، بل أقر بالنواقص وربط الولوج إلى المرافق العمومية بالمواطنة والكفاءة.

إشادة بالحضور والإلمام

قال الصحفي السالك زيد إن المؤتمر بدد صورة نمطية عن خشية الرئيس من البث المباشر ومواجهة الصحافة، مشيدا بتركيزه وطريقته في تفكيك الأسئلة والإجابة عن عناصرها.

ووصف رئيس حزب جبهة المواطنة والعدالة، محمد جميل منصور، المؤتمر بالناجح، وقال إن الأسئلة كانت في عمومها جريئة، وإن الإجابات اتسمت بالوضوح وقلة التحفظ، داعيا إلى تكرار اللقاءات الصحفية.

ورأى الصحفي الشيخ الراجل عاليون أن المؤتمر لم يعرف خطوطا حمراء ظاهرة، وأن الرئيس بدا مطلعا على تفاصيل العمل الحكومي. كما لفت الإعلامي حسن لبات إلى استحضاره الأرقام والمعطيات الفنية من دون اعتماد ظاهر على أوراق.

وأشاد عضو المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي آدم ألفا با بإلمام الرئيس بملفات الاقتصاد والتعليم والديمقراطية والحوار والإرث الإنساني. ووصف وزير التنمية الحيوانية سيد أحمد ولد محمد المؤتمر بأنه ناجح في رسائله السياسية والتواصلية، فيما اعتبر الدكتور السعد ولد لوليد أن الإجابات كانت مباشرة وواضحة.

انتقادات حقوقية وسياسية

في المقابل، انتقد مسؤول الإعلام في حركة “إيرا” حسن أمبارك العيد غياب أسئلة تتعلق بحقوق الإنسان واستقلال القضاء وترخيص الأحزاب والأحداث التي أعقبت الانتخابات الماضية.

كما قال مسؤول الشباب في حزب “الرك” قيد الترخيص نور الدين سمت إن المؤتمر لم يتناول قضايا حركة “إيرا” ورئيسها بيرام الداه اعبيد والنائبتين وسجناء الحركة، رغم حضورها في النقاش السياسي.

وهكذا، نجح المؤتمر في فتح نافذة مباشرة بين الرئاسة والصحافة، وأظهر رئيسا حاضرا في الأرقام والتفاصيل وفق مؤيديه، لكنه لم ينه الجدل حول المأمورية والفساد وقانون الرموز، كما ترك لدى منتقديه أسئلة بشأن الغلاء والحقوق والحريات. وسيبقى التقييم الأهم مرتبطا بمدى تحول ما عرض من أرقام وتوجهات إلى نتائج يلمسها المواطن.

اظهر المزيد

باركيول نت

منصة إعلامية موريتانية مستقلة، تعنى بالثقافة والتراث وتواكب الأحداث الوطنية والدولية بمهنية. هدفنا إنارة الرأي العام بمحتوى رصين يعكس نبض المجتمع وقيمه. نلتزم الدقة والمصداقية واحترام الحقوق وحق الرد والتصحيح وفق القانون وبالتحقق قبل النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى