
أزمة النخبة كيف ينهار المجتمع حين تُغيب الكفاءة عن القيادة
لا يمكن الحديث عن نهضة حقيقية لأي مجتمع من دون التوقف عند سؤال جوهري كيف تدار شؤونه العامة، ومن يتولى قيادة مؤسساته السيادية؟ فالمجتمعات السليمة لا تبنى بالشعارات، بل بأنظمة واضحة تضمن صعود الأكفأ، وتمنع تسلل الرداءة إلى مواقع القرار. إن وجود آليات عادلة وشفافة لترشيح الكفاءات شرطا أساسيا لصحة المجتمع واستقراره وقدرته على الاستمرار. منطق الأشياء يقول إن من يبذل الجهد، ويتدرج في السلم الوظيفي وفق معايير معروفة، ويخضع للمساءلة والتقييم، هو الأجدر بتحمل المسؤولية. هكذا فقط تتشكل النخبة الحقيقية: نخبة نابعة من الكفاءة لا من القرب، ومن الاستحقاق لا من الولاء. هذه النخبة لا تقود لأنها أفضل أخلاقيًا بالضرورة، بل لأنها الأكثر معرفة وخبرة وقدرة على اتخاذ القرار في لحظات التعقيد.
في كل مجالات الحياة، من الدين إلى السياسة، ومن التعليم إلى الصحة، ومن الاقتصاد إلى الثقافة، لا يستقيم الأمر إلا حين يتولى القيادة من يفهم قواعد المجال وحدوده. فالقائد الذي لم يعش التجربة من بدايتها، ولم يمر بمراحل التكوين والتدريب، غالبًا ما يتعامل مع المنصب بوصفه غنيمة لا مسؤولية. أما من صعد السلم خطوة خطوة، فإنه يدرك معنى المؤسسة، ويحترم القانون، ويعرف حجم الخطأ حين يُهدر المال العام أو يُقصى أهل الاختصاص.
المشكلة الكبرى تبدأ حين تُعطَّل معايير الكفاءة، ويُفتح الباب أمام غير المؤهلين لاحتلال المواقع السيادية. عندها تتحول الدولة إلى مساحة تجارب فاشلة، وتصبح القرارات ارتجالية، وتُدار المؤسسات بعقلية الخوف لا بعقلية التخطيط. والأسوأ من ذلك أن الشخص غير الكفء لا يكتفي بعجزه، بل يسعى إلى حماية هذا العجز بإقصاء كل من يهدده بالكفاءة والمعرفة. فيحيط نفسه بدائرة من الضعفاء، ويصنع نظاما مغلقا يعادي النقد، ويقمع المبادرة، ويخنق الإبداع. ومع غياب الثقة بالنفس، يصبح المال العام وسيلة للتعويض النفسي، وتتحول الوظيفة السيادية إلى أداة لتحقيق المصالح الشخصية. فتُهدر الموارد، وتتآكل المؤسسات، ويتعمق الفساد، ويدفع المجتمع كله ثمن خيارات لم يكن طرفًا فيها. لا يكون الفشل حادثا عابرا، بل بنية متكاملة تُعيد إنتاج نفسها ما دامت آليات الترشيح مختلة. إن المأساة في كثير من بلداننا ليست في نقص الكفاءات العلمية، بل في تجاهلها المتعمد. فالعقول موجودة، والخبرات متراكمة، لكن الطريق إلى المواقع السيادية لا يمر عبر العلم والعمل، بل عبر شبكات النفوذ والمحسوبية. لذلك تتكرر الأزمات، وتتعثر مشاريع التنمية، ويترسخ شعور عام بالظلم وانعدام الأمل.
ولمن أراد أن يقيس مستوى أي مجتمع، لا يحتاج إلى تقارير مطولة أو خطب رسمية يكفيه أن ينظر إلى النخبة التي تتصدر المشهد كيف وصلت، وكيف تُدير، وكيف تتعامل مع النقد والكفاءة. فالنخبة مرآة المجتمع، وإذا كانت هذه المرآة مشوهة، فذلك دليل قاطع على خلل عميق في آليات الاختيار والترشيح. وحسبنا بواقعنا المعاش دليلًا لا يحتاج إلى كثير شرح.
الكاتب : زكريا نمر



