
الخبير : ازيدبيه احديد.. يكتب “بين نية الإنصاف ووجع التنفيذ”
بين نية الإنصاف ووجع التنفيذ؟؟
نعم، لسنا بخير.
غير أن قولنا هذا ليس بكاء على الأطلال، ولا نحيبا دون معنى، وإنما هو تشخيصٌ لجرحٍ لا يزال ينزف من مكانٍ خفيّ، كلما حاول الزمن أن يضمّده، وكلما حاولت الدولة أن تُخفف من ألمه. فبعض الوجع لا ينتهي لأنّ هناك من يُصرّ على أن يبقى حيّاً، وأن يتحول من أثرٍ تاريخيّ إلى سلوكٍ يوميّ، ومن ذاكرةٍ موجعة إلى ممارسةٍ مُستفزة تُعيد الناس إلى زمنٍ لم يعد ينبغي أن يعود.
نعم، لسنا بخير…
حين تعرض علينا صور مغززة—عن قصد أو بغير قصد—تشبه السكاكين في اللحم، وتبدو كأنها تقول للناس: “هذه الدولة ليست لكم”.
صور تقدم في قلب المؤسسات، داخل أجهزة الدولة القضائية والعسكرية والمالية والسياسية، فتبدو التشكيلات كأنها تكتب بمداد واحد، وكأن الوطن لا يتسع إلا لوجوه بعينها، وأسماء بعينها، وانتماءات بعينها.
وهنا…
يتجاوز الأمر شكلَ صورة، ويتحول إلى رسالة خطيرة: رسالة قادرة على أن تقسم ظهر البعير، لا لأنها مجرد لقطة عابرة، بل لأنها تذكير جارح بما عاشته البلاد من ماض مأساويّ، وما أنجزته بعد ذلك من مصالحة شاقة، وما تحاول اليوم أن تتمه من عدالةٍ اجتماعية ووطنية.
الاعتراف بالخطوات… قبل العتاب
ومن الإنصاف—بل من الواجب—أن يقال: إن عهد فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني حفظه الله شهد إشارات واضحة إلى إرادة سياسية تسعى لإدماج الفئات الهشة وتقليص الفوارق، وأن الخطاب الرسمي للدولة بات أكثر حساسية تجاه العدالة الاجتماعية، وأكثر انفتاحا على فكرة الإنصاف والمساواة. وقد شعر كثيرٌ من أبناء هذه الشرائح بأن هناك نية صادقة لتجاوز الحواجز القديمة، وفتح نوافذ الأمل التي ظلت موصدة لسنوات طويلة.
لكن ما يُربك الأمل—وما يضعف الثقة—هو أن تتحول هذه النية إلى مشروع مُحاصر من الداخل، تُفرغه بعض الأجهزة التنفيذية من معناه، أو تعرقله عبر ممارسات تتناقض مع روحه، وتبقي الدولة في صراع مع نفسها: إرادة في الأعلى، وتقاليد إقصاء في الأسفل.
الصور ليست بريئة… حين تكون انعكاسا لعقلية قديمة
إن الصورة المستفزة ليست مجرد خلل بروتوكولي، ولا خطأ عابرا في توزيع الكراسي؛ إنها حين تتكرر تصبح تجسيدا لواقع مرير، وتصبح في نظر كثيرين شهادة دامغة على أن شيئاً لم يتغير في العمق.
وحين يرى الناس أن المناصب تمنح غالبا وفق اللون، والقبيلة، والجهة، وحين يُقصى أصحاب المؤهلات لأنهم لا يملكون “سنداً”، يصبح التعليم بلا جدوى، والولاء بلا قيمة، والانتماء الوطني مجرد كلمة يتيمة لا تجد من يصدقها في الواقع.
وهنا، تتأكأ جراح الماضي، لا لأنها عادت وحدها، بل لأن أحدا يضغط عليها عمدا أو جهلا، ويوقظ فيها ألم العبودية التاريخية، وألم التهميش، وألم الإقصاء، وألم الحرمان من المدرسة، ثم من الوظيفة، ثم من القرار.
الحراطين والزنوج… حين يطلب منهم أن يظلوا في الظلّ
الحراطين وشرائح واسعة من الزنوج ليسوا أقل قدرة، ولا أقلّ ذكاء، ولا أقلّ علما. لكنهم في كثير من الأحيان أقلُّ حماية اجتماعية، وأقل دعماً من شبكات النفوذ التي تُوزع الفرص كما توزع الهبات، لا كما تُوزع الحقوق.
لقد حرم كثير منهم من التعليم زمنا، ومن استطاع منهم أن يتعلم دفع ثمنا مضاعفا: تعلم دون سند، ودون امتياز، ودون وسائل، ثم جاء إلى باب الدولة، فوجد الباب نفسه يقف عليه من يملك “المفتاح الاجتماعي”.
فابن القبيلة يتقدمه اسمُ قبيلته، وتسبقه معرفةُ النافذ، وترافقه “القوة غير المكتوبة” التي تفرضه. أما ابن الحراطين فكثيرا ما يأتي وحده، فيقاس لا بقدراته، بل بضعف ظهره الاجتماعي.
وجع شخصي… يمثل جرحا عاما
وأنا أكتب هذا، لا أكتب انتقاما، ولا نشرا للغضب، بل شهادة من قلب التجربة.
لقد كنت وما زلت من داعمي النظام، ومن الذين دفعوا ثمنا اجتماعيا مقابل هذا الاختيار. خسرت شيئا من شعبيتي، وخسرت بعض العقود التي كانت سببا في معيشتي، لأنني فضلت الاستقرار والانضباط خلف النظام الحاكم بدل الركض خلف السخط الشعبي.
لكنني وجدت نفسي خارج المعادلة.
ليس لأنني لم أؤد، ولا لأنني قصرت، بل لأنني حرطاني.
لا قبيلة تطالب لي بمنصب، ولا نافذٌ يفرض اسمي، ولا جماعة مصالح تتبنى وجودي.
وهكذا… يظل الحرطاني ومثله الزنجي واقفا على قارعة الطريق، يراقب قطار الدولة يمر عليه دون أن يفتح له بابا، مع أنه دفع تذكرة الولاء كاملة، وربما دفع أكثر مما دفع غيره.
ختاما: لا تجعلوا الصور تستفز الوطن
إن أخطر ما في الصور المستفزة أنها لا تغضب شخصا واحدا، بل تغضب ذاكرة شعب كاملة. إنها تستفز إحساس الناس بالعدل، وتفجر الشكوك، وتفتح مسارات الشحناء والبغضاء، وتعيد تعريف الدولة في عيون البعض بأنها دولة لون واحد، وهذا ما لا يجوز أن يقال عن وطنٍ فيه كل الألوان.
والواجب اليوم ليس أن نجمل الحقيقة، بل أن نمنع تكرارها.
الواجب أن تتحول نية الإنصاف إلى قرار حاسم في التفاصيل: في التعيينات، في التوظيف، في فرص الصعود، وفي معايير التمثيل داخل أجهزة الدولة.
فإما أن تكون الدولة للجميع…
أو أن تظل جراح الماضي تتأكأ، وتظلّ الصور المستفزة قادرة على أن تقسم ظهر البعير في كل مرة، حتى لا يبقى ظهرٌ للوطن يستند عليه أبناؤه.
كتبه : الناشط والخبير القضائي : ازيدبيه ولد أحديد



