
هدنة الغزواني تتآكل من الانفتاح على المعارضين إلى السجون والإقالات
تقرير يرصد مسار التهدئة السياسية في موريتانيا منذ 2019، وبداية التوتر عبر محطات سياسية وحقوقية واجتماعية
منذ وصول الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني إلى السلطة في أغسطس 2019، دخلت موريتانيا مرحلة سياسية وصفت في بدايتها بأنها مرحلة تهدئة وانفتاح، بعد سنوات من التوتر الحاد بين النظام السابق وبعض أطراف المعارضة ورجال الأعمال والحقوقيين. وقد ظهرت ملامح تلك المرحلة في لقاءات مع قادة المعارضة، وتسوية ملفات شخصيات كانت تقيم في الخارج، وترخيص منظمات ظلت ممنوعة أو غير معترف بها قانونيا، وفي مقدمتها مبادرة انبعاث الحركة الانعتاقية “إيرا”.
غير أن هذا المسار واجه لاحقا سلسلة اختبارات سياسية وحقوقية واجتماعية. فقد بدأت التصدعات من قانون حماية الرموز الوطنية، ثم امتدت إلى رفع الحصانة عن النائب محمد بوي ولد الشيخ محمد فاضل وسجنه، ومقتل الصوفي ولد الشين داخل مفوضية شرطة، وأحداث كيهيدي بعد الانتخابات الرئاسية، وسجن نشطاء حقوقيين، ورفض ترخيص مسيرة ميثاق لحراطين، والحكم على برلمانيتين محسوبتين على “إيرا”، فضلا عن إقالات لمسؤولين بسبب مواقف أو تسجيلات أو تدوينات.
بداية العهد: خطاب تهدئة ولقاءات مع المعارضة
منذ الأشهر الأولى للحكم، عملت السلطة الجديدة على تقديم نفسها بوصفها مختلفة عن مرحلة التصعيد السابقة. وظهرت ملامح ذلك في خطاب رسمي تحدث عن تهدئة المناخ السياسي العام، وفي لقاءات جمعت الرئيس الغزواني بقادة من المعارضة، من بينهم أحمد ولد داداه وصالح ولد حننا وبيرام الداه اعبيد والعيد محمدن أمبارك وشخصيات أخرى كانت على مسافة من النظام السابق. وقد رأت أطراف داخلية وخارجية في تلك الخطوات بداية لفتح صفحة سياسية جديدة بعد سنوات من الاستقطاب.
لم تكن التهدئة حينها مجرد تعبير سياسي عام، بل تحولت إلى عنوان رئيسي في وصف العلاقة بين السلطة والمعارضة خلال السنوات الأولى من المأمورية الأولى، قبل أن تبدأ لاحقا محطات التوتر في التشكل تدريجيًا.
عودة بوعماتو وولد الإمام الشافعي: الرمز العملي للانفراج
لم تبق التهدئة في مستوى اللقاءات والخطاب السياسي فقط، بل شملت تسوية ملفات معارضين ورجال أعمال كانوا خارج البلاد. ففي مارس 2020، عاد رجل الأعمال محمد ولد بوعماتو إلى موريتانيا بعد نحو عشر سنوات في المنفى، إثر خلافات سياسية وقضائية مع نظام الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز. كما برز اسم المصطفى ولد الإمام الشافعي ضمن الشخصيات التي ارتبط ملفها بمرحلة الانفراج وإلغاء مذكرات التوقيف أو المتابعة.

شكلت عودة بوعماتو، وفتح الباب أمام عودة شخصيات مثل ولد الإمام الشافعي، إحدى أبرز العلامات العملية على بداية الهدنة السياسية؛ فقد تعلقت بشخصيات لم تكن مجرد معارضة عابرة، بل رموزًا لخصومة طويلة مع النظام السابق.
ترخيص “إيرا”: من المنع إلى الاعتراف القانوني
إلى جانب عودة المعارضين ورجال الأعمال، شكل ترخيص حركة “إيرا” محطة بارزة في بدايات الانفتاح الحقوقي والسياسي. فقد تسلمت الحركة، نهاية ديسمبر 2021، أول وصل اعتراف وفق مقتضيات القانون الجديد المنظم لعمل المجتمع المدني، وتسلمه رئيسها بيرام الداه اعبيد. وكان هذا الترخيص مهما لأن الحركة ظلت لسنوات طويلة غير مرخصة، رغم حضورها القوي في الساحة الحقوقية والسياسية.

بهذا المعنى، مثل ترخيص “إيرا” الوجه الحقوقي للتهدئة، كما مثلت عودة بوعماتو وولد الإمام الشافعي وجهها السياسي. لكن المفارقة أن الحركة التي حصلت على الاعتراف القانوني في عهد الغزواني، عادت لاحقا إلى قلب التوتر مع السلطة عبر ملفات سجن نشطائها، وقضية الطفلة القاصرة، والحكم على البرلمانيتين مريم الشيخ وقامو عاشور.
احتجاجات الطلاب: أول إنذار حقوقي مبكر
رغم أجواء التهدئة، ظهرت منذ بدايات العهد مؤشرات على أن ملف الحريات العامة لن يكون خاليا من التوتر. فقد عبرت اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان عن قلقها من قمع طلاب متظاهرين ضد تحديد سن التسجيل في الجامعة، وذكرت بأن التظاهر السلمي ظاهرة ديمقراطية صحية، وأنه لا يجوز منع تظاهرة سلمية أو قمعها بالعنف المفرط.
هذه الواقعة لم تتحول في حينها إلى أزمة سياسية كبرى، لكنها كشفت مبكرا أن التهدئة مع الأحزاب لا تعني بالضرورة اختفاء التوتر في الشارع، خاصة حين يتعلق الأمر بالطلاب والاحتجاجات المطلبية.
قانون الرموز: أول تصدع معلن في مسار التهدئة
في نوفمبر 2021، ظهر أول منعطف سياسي وتشريعي واضح في مسار التهدئة، مع تمرير قانون حماية الرموز الوطنية. فقد اعتبر حزب اتحاد قوى التقدم أن إصرار الأغلبية على التصويت على القانون “يشكل تراجعا خطيرا عن سياسة التهدئة وعودة لجو الاستقطاب والمزايدات”، مضيفا أن التوجه نحو التهدئة الذي انتهجه الرئيس الغزواني “يواجه تصدعا خطيرا” قد يقوض الثقة في مسار الحوار الوطني.
ومن هنا بدأ الخلاف يأخذ شكلا مؤسسيا وتشريعيا. فبينما قدمت السلطة وأنصارها القانون بوصفه آلية لحماية الرموز والسلم الأهلي والأعراض من الإساءة عبر الفضاء الرقمي، رأت أطراف معارضة أنه قد يتحول إلى أداة لتقييد حرية التعبير، خاصة عندما يتعلق الأمر بانتقاد الرئيس أو رموز الدولة.
مقتل الصوفي ولد الشين: صدمة حقوقية داخل مفوضية شرطة
في فبراير 2023، هزت قضية مقتل الناشط الحقوقي الصوفي ولد الشين الرأي العام، بعد وفاته إثر توقيفه لدى مفوضية شرطة في دار النعيم. وقد نقلت هذه القضية النقاش من مستوى الخلاف السياسي إلى سؤال أعمق يتعلق بالحقوق الأساسية داخل أماكن الاحتجاز، وبمدى قدرة الدولة على حماية المواطنين أثناء وجودهم تحت سلطة أجهزة إنفاذ القانون.

وفي مارس 2024، أصدرت المحكمة الجنائية في نواكشوط الشمالية أحكاما من بينها السجن المؤبد في حق بعض المتهمين في الملف. وتضمنت الأحكام إدانة مفوض شرطة سابق وعدد من عناصر الشرطة في جرائم بينها “التعذيب المؤدي إلى الموت”، واستعمال العنف دون سبب شرعي، والقيام بعمل عدواني تحكمي يمس الحرية الشخصية.
ورغم أن صدور أحكام قضائية ثقيلة في القضية عد مسارا للمحاسبة، فإن الواقعة نفسها بقيت إحدى أهم المحطات الحقوقية في عهد الغزواني، لأنها أظهرت أن سؤال الحريات لم يعد متعلقا فقط بالمعارضة والبرلمان، بل بمراكز الشرطة وسلامة المواطنين داخل أماكن الاحتجاز.
رفع الحصانة عن محمد بوي وسجنه: التوتر يدخل البرلمان
في يوليو 2023، انتقل التوتر إلى المؤسسة البرلمانية مع قضية النائب محمد بوي ولد الشيخ محمد فاضل. فقد صوتت الجمعية الوطنية على رفع الحصانة عنه، في جلسة قاطعتها كتل المعارضة، بعد مداخلة برلمانية أثارت جدلا سياسيا واسعا.

لكن القضية لم تقف عند رفع الحصانة. ففي نوفمبر 2023، أفرجت السلطات القضائية عن النائب محمد بوي بحرية مؤقتة، بعد نحو ثلاثة أشهر على اعتقاله عقب رفع الحصانة البرلمانية عنه. وأشير إلى أن النيابة وجهت له تهما من بينها نشر الإساءة والقذف والتجريح بحق رئيس الجمهورية.
أهمية هذه القضية أنها جمعت بين ثلاث مسائل شديدة الحساسية: الحصانة البرلمانية، وقانون الرموز، وحدود الخطاب السياسي داخل المؤسسة التشريعية. وبالنسبة للمعارضة، شكلت الواقعة مؤشرا على أن التهدئة لم تعد تحمي الخطاب المعارض الحاد داخل البرلمان.
محاكمة الرئيس السابق: مكافحة فساد أم قطيعة سياسية؟
بالتوازي مع ذلك، ظل ملف الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز حاضرا كأحد أكبر الملفات السياسية والقضائية في عهد الغزواني. فقد تحول ملف “العشرية” من تحقيقات داخل البرلمان والشرطة والقضاء إلى محاكمة انتهت بأحكام أثارت جدلا واسعا بين من يضعها في إطار مكافحة الفساد وربط المسؤولية بالمحاسبة، ومن يراها، كما يقول دفاع الرئيس السابق وأنصاره، ملفا ذا خلفية سياسية.
وتبقى أهمية هذا الملف في سياق التقرير أنه نقل العلاقة بين الرئيس الحالي وسلفه من التعايش السياسي الصامت إلى القطيعة القضائية العلنية، ما أضاف بعدا آخر إلى مسار التوتر داخل النخبة السياسية الحاكمة والمعارضة السابقة للنظام الحالي.
انتخابات 2024 وأحداث كيهيدي: التوتر ينتقل إلى الداخل
بعد الانتخابات الرئاسية التي جرت في 29 يونيو 2024 وأسفرت عن فوز الرئيس الغزواني بمأمورية ثانية، شهدت مدينة كيهيدي احتجاجات عنيفة. عاشت هدوءا أمنيا حذرا بعد دفن أربعة شبان قضوا في مظاهرات شهدتها المدينة عقب إعلان نتائج الانتخابات، مع استمرار انتشار أمني محدود في بعض الشوارع وتمركز وحدة من الدرك تحسبا لأي طارئ.

في المقابل، أعلنت وزارة الداخلية وفاة ثلاثة متظاهرين أثناء الاحتجاز على خلفية ما قالت إنها أعمال شغب شهدتها المدينة، وقالت إن الوفيات جاءت متأثرة بإصابات إثر تصدي الشرطة للاحتجاجات.
هذه الأحداث أدخلت بعدا جهويا واجتماعيا إلى مسار التوتر. فهي لم تكن مجرد خلاف بين أحزاب في نواكشوط، بل احتجاجات في مدينة داخلية أعقبت انتخابات رئاسية، وأسفرت عن وفيات، ما جعلها محطة بارزة في النقاش حول إدارة الاحتجاجات والحق في التعبير بعد الاستحقاقات الانتخابية.
الإقالات بسبب المواقف: التوتر داخل الإدارة
من المحطات اللافتة في هذا المسار سلسلة الإقالات التي طالت مسؤولين ومديرين ومستشارين ومكلفين بمهام. فقد عرف عهد الغزواني، منذ 2019، إقالات متتالية لمسؤولين على خلفية مواقف أو آراء علنية في تسجيلات صوتية أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
وتضم القائمة فاطمة بنت دحي، التي أقيلت من إدارة “سوما غاز” في يونيو 2020 عقب تسجيل صوتي نُسب إليها قبل أن يبرئها القضاء منه، ثم أقيلت مرة أخرى في ديسمبر 2025 من منصبها أمينة عامة للسلطة الوطنية لحماية البيانات ذات الطابع الشخصي، على خلفية تعليق انتقدت فيه دخول الشرطة إلى حرم جامعة نواكشوط لتفريق احتجاجات طلابية. كما تضم الكوري ولد اصنيب، وأحمد ولد صمب، وحمادي لحبوس، وعبد الفتاح اعبيدنا، ومحمد فال بلال، وصولًا إلى إقالة النائب السابق اسغير ولد العتيق في مايو 2026 بعد تسجيل صوتي انتقد فيه سجن نشطاء من “إيرا”.
هذه الإقالات أضافت بعدا إداريا لمسار التوتر. فالنقاش لم يعد فقط حول السجون أو البرلمان، بل حول حدود حرية التعبير بالنسبة لمن يشغلون وظائف أو مناصب عامة، وحدود واجب التحفظ عندما يتعلق الأمر بملفات سياسية وحقوقية حساسة.
أزمة المحروقات ومظاهرات الشارع
في أبريل 2026، عاد الشارع بقوة إلى واجهة المشهد، إثر احتجاجات على ارتفاع أسعار المحروقات. وقد أعلنت قيادات من حزب “تحدي” أن شرطة مكافحة الشغب استخدمت الغاز المسيل للدموع لتفريق متظاهرين خرجوا للتعبير عن رفضهم لرفع الأسعار، كما تحدث الحزب عن توقيف عشرات المتظاهرين وإصابة رئيسه وعدد من المحتجين.
هذه الواقعة ربطت بين البعد الاجتماعي والحقوقي في مسار التوتر؛ إذ لم تعد القضايا المطروحة تتعلق فقط بالحريات السياسية، بل أيضا بغلاء المعيشة، والطاقة، وأسعار المحروقات، وطريقة إدارة الاحتجاجات المطلبية.
ملف الطفلة القاصرة وسجن نشطاء “إيرا”
في فبراير 2026، دخلت العلاقة بين السلطة وحركة “إيرا” مرحلة جديدة من التوتر على خلفية ملف طفلة قاصرة. فقد قالت الحركة إنها رصدت حالة استرقاق لطفلة تبلغ من العمر 11 سنة في نواكشوط الشمالية، وأشعرت الشرطة المختصة بالواقعة، لكنها أعربت عن تخوفها من إعادة توصيف القضية قانونيا على أنها “تشغيل قاصر”، معتبرة أن ذلك قد يؤدي إلى تخفيف المتابعة وعدم التعامل مع الملف بوصفه جريمة استرقاق.
بعد ذلك، نظم نشطاء الحركة تجمعا قرب مفوضية القصر بدار النعيم للمطالبة بحماية الطفلة ومتابعة قضيتها. وقالت “إيرا” إن قوات مكافحة الشغب تدخلت لتفريق التجمع باستخدام الغاز المسيل للدموع والهراوات، ما أسفر عن توقيف عدد من المشاركين وتسجيل إصابات متفاوتة. وفي المقابل، أعلنت النيابة العامة لدى محكمة محاربة العبودية حفظ الدعوى العمومية، واتهمت نشطاء في الحركة بتلفيق أدلة حول حالة استرقاق قاصر.
هذا الملف مهم لأنه جمع بين قضية العبودية، وحماية الطفولة، وحرية التظاهر، وسجن نشطاء حقوقيين. كما كشف أن التوتر في عهد الغزواني لم يعد محصورا في المعارضة الحزبية، بل امتد إلى المجال الحقوقي والاجتماعي، خاصة في كل ما يتعلق بقضية لحراطين والعبودية.
رفض ترخيص مسيرة ميثاق لحراطين
في أبريل 2026، رفضت السلطات ترخيص المسيرة السنوية الرابعة عشرة لـ“الميثاق من أجل الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية للحراطين”، رغم قول الميثاق إنه استوفى الإجراءات القانونية والإدارية. واعتبر الميثاق القرار “مؤشرا خطيرا” على تقييد الحريات العامة، ولا سيما حرية التعبير والتجمع السلمي.
وتحمل هذه المحطة دلالة خاصة، لأن مسيرة الميثاق تحولت خلال السنوات الماضية إلى موعد رمزي لطرح قضية لحراطين في الفضاء العام. ولذلك لم يُقرأ رفض الترخيص فقط كقرار إداري معزول، بل كجزء من النقاش الأوسع حول حرية التجمع السلمي ومكانة القضايا الاجتماعية والحقوقية في المجال العام.
سجن البرلمانيتين مريم الشيخ وقامو عاشور
في مايو 2026، صدر حكم بالسجن أربع سنوات نافذة على البرلمانيتين مريم الشيخ جينك وقامو عاشور، وهما ناشطتان في منظمة “إيرا” دخلتا البرلمان عبر حزب الصواب. وقد شمل الحكم، وفق المعطيات المنشورة، حذف وإزالة التسجيلات والمنشورات المرتبطة بالقضية من الحسابات والصفحات التابعة لهما، ومصادرة الهواتف والأدوات الإلكترونية المستخدمة.
وأدانت أطراف معارضة الحكم، واعتبر حزب “الرك” أن النائبتين اعتقلتا رغم تمتعهما بالحصانة البرلمانية، وأن الحكم عليهما صدر بطريقة متسرعة، بينما وضعت النيابة الملف في إطار تهم تتعلق بالمساس بالرموز الوطنية ونشر عبارات ذات طابع عنصري والتحريض عبر وسائل التواصل الرقمي.
بهذا الملف، بلغ التوتر مستوى جديدا؛ لأنه جمع بين الصفة البرلمانية، وقانون الرموز، والخطاب الحقوقي، وقضية لحراطين، والحصانة النيابية. كما جاء بعد أسابيع من ملف الطفلة القاصرة وتوقيف نشطاء “إيرا”، ما جعله جزءًا من سياق أوسع لا مجرد قضية قضائية منفردة.
المعارضة تعود إلى الشارع
في مايو 2026، قررت أقطاب من المعارضة العودة إلى الشارع عبر مهرجان احتجاجي، في خطوة جاءت بعد تراكم ملفات الغلاء والحريات والسجون. وقد طالبت المعارضة بالإفراج عن البرلمانيتين قامو عاشور ومريم الشيخ، وعن الحقوقيين والموقوفين بسبب آرائهم، كما حملت النظام مسؤولية ما وصفته باستهداف الحريات العامة والتضييق على المواطنين.
ولم تعد المعارضة تتحدث عن ملف واحد، بل عن مناخ عام. فقد باتت تجمع بين الغلاء، والحريات، والسجون، والحقوق الاجتماعية، وتصف ما يجري بأنه تراجع عن مسار التهدئة. وفي المقابل، تستمر السلطة وأنصارها في تقديم هذه الملفات ضمن عناوين القانون، وحفظ النظام العام، واستقلال القضاء، والانضباط الإداري.
خلاصة : يكشف تسلسل الأحداث أن هدنة الغزواني لم تبدأ كشعار إعلامي فقط؛ فقد ترجمتها السلطة في بدايات العهد إلى لقاءات سياسية، وتسوية ملفات معارضين ورجال أعمال في الخارج، وفي مقدمتهم محمد ولد بوعماتو والمصطفى ولد الإمام الشافعي، وإلى ترخيص حركة “إيرا” التي ظلت لسنوات طويلة خارج الاعتراف القانوني.
لكن هذه الهدنة دخلت لاحقا مرحلة اختبار متصاعد. بدأت المؤشرات الأولى من احتجاجات الطلاب، ثم اتخذ التوتر طابعا تشريعيا مع قانون الرموز، وحقوقيا مع مقتل الصوفي ولد الشين، وبرلمانيا مع رفع الحصانة عن محمد بوي وسجنه، وسياسيا ـ قضائيا مع ملف الرئيس السابق، واجتماعيا ـ أمنيا مع أحداث كيهيدي وأزمة المحروقات، وحقوقيا ـ اجتماعيا مع ملف الطفلة القاصرة ونشطاء “إيرا”، ثم مع رفض ترخيص مسيرة ميثاق لحراطين وسجن البرلمانيتين مريم الشيخ وقامو عاشور.
ومن خلال هذه المحطات، لا تظهر نهاية التهدئة كحدث واحد أو قرار معلن، بل كمسار تآكل تدريجي، تراكمت فيه ملفات القضاء والبرلمان والشارع والإدارة والحقوق الاجتماعية. وبينما تقدم السلطة هذه الملفات ضمن أطر القانون والمؤسسات، تراها المعارضة ومنظمات حقوقية مؤشرات على تضييق الحريات وتراجع مناخ الانفتاح الذي طبع بدايات الحكم.



