تحت الضوء

لحراطينْ في برامج الحركات السياسية (2)- الجزء الثاني

نواصل في هذا الجزء استعراض حضور لحراطين في برامج الحركات السياسية المختلفة، ومواقف هذه التيارات من قضيتهم وهويتهم ومكانتهم داخل المجتمع الموريتاني

خامسا// البعثيون

تأسست حركة البعث في موريتانيا على يدي المفكر القومي محمد يحظيه ولد أبريد الليـل ابتداء من سنة 1968 بوصفها تيارا سياسيا وقوميا سرياً، وقد اعلنت منذ بدايتها رفضها القاطع لفكرة أن تكون موريتانيا (همزة وصل) بين افريقيا والعالم العربي، مُؤكدة سعيها إلى ترسيخ الثقافة العربية وتعزيز الانتماء القومي العربي لموريتانيا.

انقسمتالحركة لاحقا إلى فرعين : أحدُهما موال لحزب البعث العربي الاشتراكي في سوريا بقيادة حافظ الأسـد، والآخر وهو الأكثر حضورا وتأثيرا مرتبط بحزب البعث العربي الاشتراكي في العراق بقيادة صدام حسين.

وتعد الحركة من أكثر الاتظيمات السرية نشاطا وانتشارا في الاوساط التلاميذية والطلابية وبين النُخب المدنية والعسكرية والديبلوماسية بل والأدبية، وهو حضور ما تزال بعض آثاره قائمة الى اليوم.

وفي محاولة لمواجهة دعاة “الزنوجة” و”البانافريكانيست” ـ كما ورد في الجزء الأول – بادر البعثيون ليلة 5 مارس 1980 الى اصدار وتوزيع كتيب بعنوان “البعث ولحراطين” وهو يعدُ أوائل الوثائق السياسية التي ناقشت هوية “العرب السمر”، حيث تضمن الكتيب افكارا جديدة خاصة تخص “قزانين العنف الاجتماعي البدائي التي تفرض سيطرة القوي على الضعيف”وطالب الكتيب بــ(اعادة النظر في ملكية الاراضي الزراعية، واعادة انظر في قضية الزواج وفي ارثهم وممتلكاتهم..) تم كل ذلك في سياق سياسي، كان يعتمد بصورة كبيرة على المرجعية القبلية والفقهية التقليدية.

ويلاحظ أن صدور هذا المنشور تزامن مع استعداد الرئيس الاسبق محمد خونه ولد هيدالة لاصدار قانون الغاء الرق كما سيلاحظ القاريء الفطن أن تاريخ النشر يتزامن أيضا مع ذكرى تأسيس حركة الحر، مما يجعله مساهمة بعثية واضحة في النقاش الدائر في تلك الفترة حول قضية لحراطين بين مختلف الاطراف السياسية والفكرية.

ومن الشخصيات ذات الاصول الحرطانية التي برزت في الصف الثاني داخل الحركة : الوزير الاول الاسبق اصغير ولد امبارك، الى جانب مجموعته السياسة التي ضمت عاشور ولد صمب والوزير الراحل محمد ولد الحيمر وهم جميعا يعدون كذلك من قيادات حركة الحر؟؟ وهو تقاطع سياسي يستحق التأمل.

أما في الصف الثالث من الحركة البعثية فيمكن ذكر الحسن ولد محمد، والسالك ولد عبد البركة، الشيخ ولد احبيبن وسيد احمد الكوري، الذي اعتقل في سنة 2003 وتعرض للتعذيب على يدي المفوض دداهي.

ويتداول على نطاق واسع رواية مفادها أن قيادة حزب البعث في موريتانيا عرضت على القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي في العراق عقب احداث ابريل 1989 الدموية ملف “العرب السمر” مطالبة بتمويل برامج تساعد على انتشال هذه المجموعة وادماجها اقتصاديا واجتماعيا حتى لا تظل عرضة لللاستقطاب من لدن “البانافريكانيست”، ويقال أن الرئيس العراقي الراحل صدام حسين أبدى تجاوبا معه، غير أن أيًا من تلك الموارد لم يصل الى الفئات المستهدفة.

مؤخرا وفي سنة 2013 عاد البعثيون الى تناول الموضوع من خلال كراس آخر اسموه “لحراطين ـ الفئة المغبونة” نشر على صحيفة الدرب،

سادسا//حركة الحر

في أواخر سبعينيات القرن العشرين اعلنت حركة الحر عن نفسها ولتعلن القطيعة التامة مع تنظيم الحركة الوطنية الديمقراطية وتوجهاته، بعدما خلص عدد من كوادر لحراطين داخل MND الى ان الحركة تفتقر الى الارادة والقدرة الكافيتين لمواجهة المجتمع التقليدي بحقيقة ظاهرة العبودية وما تسببه من اختلالات اجتماعية واخلاقية.

وقد ولدت الفكرة وانطلقت على يد قيادات كادحة كبلال ولد ورزك والكيحل محمد العبد، وبوبكر ولد مسعود وغيرهم.

وللحركة وثيقتان تأسيسيتان احداهما وقعت يوم 5 مارس 1978 وقبلها توجد محاولات غير ناضجة..

وقد ورد في البيان التأسيسي المعنون “اخوك الحرطاني” الذي وزعه الرئيس مسعود ولد بلخير بتاريخ 13 يوليو 1978 أن تاريخ التعايش بين المكونات العرقية في موريتانيا كان “غير انساني ومخجل”، وان “الاقطاعية” اختطفت الاسلام عن وعي بذلك، كما وجه البيان نقدا مباشرة للحركة الوطنية الديمقراطية فأضاف “حتى الحركات الوطنية الأكثر تقدمية (التي حملت الكثير لوطنك الغالي) لم تشأ أن تأخذ في الحسبان هذه الحقيقة الأساسية… فما كان منك إلا أن صرختَ، مُحقا، بأنه ثمة مؤامرة منظمة وخيانة…” وفي الوقت ذاته، هنأت الوثيقة اللجنة العسكرية للانقاذ الوطني على انهاء نظام دام 18 سنة أهمل خلالها الطبقات المظلومة (والعبيد هم أكثرها تعرضا للظلم).

عرفت الحركة خلال مسيرتها تقلبات وانتكاسات عديدة، واعادت تأسيس نفسها اكثر من مرة في محاولة لتجاوز الصعوبات التنظيمية والسياسية التي واجهتها. كما تعرضت حركة “الحر” منذ نشأتها، لمحاولات اختراق جــادة من قبل منتسبين إلى تيارات سياسية مختلفة، هي انخرطت فيها عناصر ترتبط بمسارات تعارض قيامها أو تسعى للحد من استقلاليتها السياسية والتنظيمية، الأمر الذي جعلها تواجه صعوبات في بلورة مشروع فكري متميز، رغم انتشار خلاياها السرية بين العمال وداخل احياء الصفيح والمناطق المعزولة كالكبًاتْ.

وساهـم غياب مرجعية فكرية أو أيديولوجية واضحة في النظر اليها، منذ البداية، كمجموعة من الاطر الساعين الى تحسين تمثيلها داخل اجهزة الدولة أو وسيلة للضغط من اجل “التعيين” ثم تطور هذا التصور لا حقا ليختزل دور حركة الحر في كونها تيارا اجتماعيا يطالب بإلغاء الرق فقط، غير ان اتساع قاعدتها الشعبية وانتشارها الجماهيري مكناها تدريجيا من بناء شخصية مستقلة انتهجت بترشح قياداتها في انتخابات 1986 تعبيرا عن نضج تنظيمي مبكر.

وعموما يمكن النظر إلى الأوصاف التي ألصقتها بها الانظمة المتعاقبة واجهتزتها المختلفة بوصفها جزء من محاولات الاضعاف المعنوي والتنميط السياسي الهادفة إلى الحد من تأثيرها وتقليص حضورها في المجال العام.

قبيل سقوط نظام رئيس الجمهورية الراحل المختار ولد داداه كانت الحركة قد بدأت حوارا خجولا مع دوائر حزب الشعب والحكومة، أما الرئيس هيدالة فقد اتهم قادتها بالخيانة العظمي عقب اندلاع مظاهرات اطار التاريخية، واستقطب الرئيس معاوية اكثرية مؤسسيها فيما ظلت مجموعة سياسية اخرى بقيادة مسعود ولد بلخير تمثل احدى أبرز قوى المعارضة الراديكالية لحكمه، إلى أن حُلت الحركة خلال الفترة التي اعقبت وصول الرئيس سيدي ولد الشيخ عبد الله الى الحكم بعد تحقق أهم مطالبها وهو المشاركة السياسية في النظام القائم وصدور قانون تجريم العبودية.

طالبت الحركة بمراجعة الموقف الفقهي من العبودية وقد تحقق هذا الطلب حتى اصبح الان متجاوزا، وبضمان مشاركة لحراطين في الثروة الوطنية والسلطة ومختلف مجالات الحياة العامة، وفي الواقع اصبحت هنالك طبقة متوسطة حرطانية لا بأس بها. وهنالك توجه سياسي واجتماعي طرأ في العقود الاخيرة ولا سيما مع تغير قيادة حركة الحر وتطور خطابها السياسي، ويدعو هذا التوجه ذي النفس القومي المحافظ إلى النظر إلى لحراطين كقومية أو مكونا مستقلا داخل البنية الوطنية الموريتانية.

في الجزء الاخير من هذه السلطة نتطرق : للحركة الاسلامية ، حركات البرجوازية الوليدة والدياسبورا

الاعلامي عبيد ولد إميجين

اظهر المزيد

باركيول نت

منصة إعلامية موريتانية مستقلة، تعنى بالثقافة والتراث وتواكب الأحداث الوطنية والدولية بمهنية. هدفنا إنارة الرأي العام بمحتوى رصين يعكس نبض المجتمع وقيمه. نلتزم الدقة والمصداقية واحترام الحقوق وحق الرد والتصحيح وفق القانون وبالتحقق قبل النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى