
بين الشعبوية والإنصــاف: لمــاذا كــان طــرح الوزير الأول أقرب إلى منطق الدولة؟
لم أجد في حديث الوزير الأول، السيد المختار ولد أجاي، ما يستدعي كل هذا القدر من التحامل، ولا ما يبرر تحويل نقاش اقتصادي واضح إلى محاكمة سياسية مفتوحة. فقد طرح الرجل، بلغة الأرقام لا بلغة الشعارات، سؤالا مركزيا ينبغي أن يُناقش في إطاره: أيهما أكثر عدلا ونفعا للمواطنين الأقل دخلا؛ أن تنفق الدولة 50 مليار أوقية خلال ثلاثة أشهر في دعم شامل للمحروقات يستفيد منه الجميع، وينتفع به أكثر من يستهلك أكثر، أم أن تتحمل الدولة 35 مليار أوقية من فارق السعر، وتُبقي على برامج اجتماعية وتنموية، وتوجه دعما خاصا للفئات الأقل دخلا يتجاوز 18 مليار أوقية؟
هذا هو جوهر المسألة، وما عداه محاولة لإبعاد النقاش عن مربعه الحقيقي.
لقد قرأت ما كتبه النائب يحيى اللود، وما نشره رئيس حزب العمران، السيد أحمد هارون الشيخ سيديا، وفي كلامهما جانب صحيح لا أنكره: فالمحروقات ليست سلعة معزولة، وليست مجرد بنزين في خزانات السيارات، بل تدخل في النقل، والأسواق، والزراعة، والصيد، والكهرباء، ومواد البناء، وتنعكس بدرجات متفاوتة على أسعار المواد والخدمات. وهذه حقيقة لا تحتاج إلى كبير جدل.
لكن الإشكال أن هذه الحقيقة لا تهدم حجة الوزير الأول، بل تؤكد صعوبة القرار الذي تحدث عنه. لأن السؤال ليس: هل للمحروقات أثر في الأسعار؟ نعم، لها أثر. وإنما السؤال: هل الحل العادل هو أن تدعم الدولة المحروقات دعما شاملا يستفيد منه الغني والفقير، وصاحب السيارة ومن لا سيارة له، والمؤسسة الكبرى والأسرة الفقيرة، أم أن توجه الدولة جهدها المالي إلى من هم أضعف وأقل قدرة على الاحتمال؟
هنا يظهر الفارق بين منطق الدولة ومنطق الخطاب السياسي.
فالدعم الشامل للمحروقات يبدو، في ظاهره، إجراء شعبيا مريحا، لكنه في حقيقته ليس أكثر الإجراءات عدالة. ذلك أن من يملك سيارة أو أكثر، ومن يدير مؤسسة تستهلك كميات كبيرة من الوقود، ومن يستهلك الغاز والمحروقات بكثافة، يستفيد من هذا الدعم أكثر بكثير من المواطن الفقير الذي لا يملك سيارة، ولا يستفيد من الوقود إلا عبر أثره غير المباشر في السوق. وبذلك تتحول أموال الخزينة، وهي أموال عمومية، إلى دعم مفتوح لا يميز بين المحتاج والمقتدر.
فأي عدالة في أن تُنفق الدولة عشرات المليارات ليستفيد الأكثر استهلاكا أكثر من الأقل دخلا؟ وأي إنصاف في أن نحرم البرامج الاجتماعية والتنموية من 15 مليار أوقية حتى يظل الدعم مفتوحا للجميع دون تمييز؟
إن الوزير الأول لم يقل إن القرار بلا كلفة، ولم يقل إن المواطن لا يشعر بالأسعار، ولم يقدم الأمر كأنه انتصار بلا ثمن. بل قال إن أمام الدولة مفاضلة صعبة: إما دعم شامل مكلف وغير موجه، أو تحمل الجزء الأكبر من الفارق مع حماية البرامج الاجتماعية وتوجيه الدعم إلى الفئات الأضعف. وهذا، في تقديري، هو منطق الدولة حين تتعامل مع الأزمات: لا توزع الوهم، ولا تبيع الناس خطابا سهلا، بل توازن بين الممكن المالي، والعدالة الاجتماعية، واستمرار الخدمات والمشاريع.
أما القول إن هناك خيارا ثالثا اسمه محاربة الفساد وترشيد الإنفاق، فهو قول صحيح في أصله، ولا يختلف عليه داعم مخلص لهذا النظام ولا معارض مسؤول. لكن تحويل هذا العنوان العام إلى بديل فوري عن قرار مالي محدد فيه قدر من التبسيط. فمحاربة الفساد مسار دائم، وترشيد الإنفاق واجب مستمر، ومراجعة الامتيازات مطلب مشروع، لكن ذلك كله لا يجيب وحده على سؤال عاجل: من أين ستوفر الدولة 50 مليار أوقية خلال ثلاثة أشهر دون أن تمس البرامج الاجتماعية، ودون أن تعطل مشاريع تنموية، ودون أن تفتح عجزا ماليا يدفع ثمنه المواطن لاحقا؟
إن الدولة ليست قصيدة حماسية، ولا تدار بالخطب وحدها. الدولة أرقام، وميزانيات، والتزامات، ورواتب، ومدارس، ومستشفيات، ومياه، وطرق، وبرامج دعم، وموازنات يجب أن تبقى قابلة للاستمرار. ومن السهل أن يقول السياسي: لا ترفعوا الأسعار، ولا تمسوا الدعم، وحاربوا الفساد. لكن الأصعب، والأكثر مسؤولية، أن يقول للناس: هذه كلفة القرار، وهذه حدود الخزينة، وهذه الطريقة الأقل ضررا والأكثر إنصافا.
وأنا، بوصفي من الداعمين بوعي لهذا النظام، لا أدافع عن الأشخاص لمجرد مواقعهم، ولا أصفق لكل قرار بلا نظر، ولكنني أميز بين النقد المسؤول والمزايدة. وأقول بوضوح: إن طرح الوزير الأول في هذه القضية أقرب إلى العقل والعدل من الخطاب الذي يريد إبقاء الدعم شاملا للجميع، ثم يتحدث في الوقت نفسه باسم الفقراء. فالفقير لا ينتفع كثيرا من دعم يبتلعه الاستهلاك الكبير، وإنما ينتفع أكثر حين توجه إليه الدولة دعما مباشرا، وتحافظ له على مدرسة، ومركز صحي، وطريق، وماء، وبرنامج اجتماعي.
إن من يدافع حقا عن الفئات الهشة لا ينبغي أن يدافع عن دعم عام يستفيد منه المقتدر أكثر من الفقير. ومن يريد العدالة الاجتماعية ينبغي أن يكون أول من يطالب بتوجيه المال العام إلى مستحقيه، لا إلى السلع التي يستهلكها الناس بنسب متفاوتة. فالعدالة ليست أن نعطي الجميع الشيء نفسه، بل أن نعطي الأكثر حاجة ما يحفظ كرامته ويخفف عنه وطأة الظرف.
ومع ذلك، فإن دعمنا لخيار الحكومة لا يمنعنا من القول إن نجاح هذا الخيار مشروط بثلاثة أمور أساسية: رقابة صارمة على الأسعار حتى لا تتحول الزيادة المحدودة إلى موجة غلاء مفتوحة، وشفافية كاملة في توجيه الدعم حتى يصل إلى مستحقيه، ومواصلة جدية لترشيد الإنفاق ومحاربة الهدر والفساد حتى يشعر المواطن أن الدولة لا تطلب منه التضحية وحده.
وهنا يكون الدعم السياسي نبيلا ومسؤولا: نساند الدولة حين تختار حماية المال العام وتوجيه الدعم إلى الفقراء، ونطالبها في الوقت ذاته بمزيد من الصرامة والشفافية والإنصاف. فالداعم الحقيقي للنظام ليس من يبرر كل شيء، ولا من يصمت عند كل ملاحظة، بل من يدافع عن الخيارات الصائبة، ويحصنها بالحجة، وينبه إلى ما يكملها ويقويها.
لقد جاء حديث الوزير الأول في لحظة تحتاج إلى المصارحة لا إلى الشعبوية، وإلى الأرقام لا إلى الشعارات، وإلى ترتيب الأولويات لا إلى فتح الخزينة لكل ضغط عابر. ومن هذه الزاوية أرى أن موقفه كان واضحا ومسؤولا: الدولة تحملت الجزء الأكبر من الفارق، حافظت على البرامج الاجتماعية والتنموية، ووجهت دعما معتبرا إلى المواطنين الأقل دخلا. وهذه ليست سياسة ضد الفقراء، بل هي محاولة لحماية الفقراء من دعم غير عادل يستفيد منه غيرهم أكثر منهم.
قد يكون النقد مفيدا حين يقترح بديلا واضحا، وقد يكون ضروريا حين يكشف خللا حقيقيا، أما أن نرفض قرارا مبنيا على أرقام دون أن نقدم بديلا ماليا محددا، فذلك أقرب إلى المناورة السياسية منه إلى النصح الوطني.
وخلاصة القول: إن الوزير الأول لم يدافع عن رفع الأسعار، بل دافع عن عدالة توجيه الدعم. ولم يختر تحميل المواطن العبء، بل اختار أن تتحمل الدولة الجزء الأكبر منه، وأن تصون البرامج الاجتماعية من الشطب، وأن تمنح الأولوية للفئات الأقل دخلا. وهذا، عندي، موقف يستحق الدعم؛ لأنه لا يطارد التصفيق السهل، بل يبحث عن القرار الأصعب والأقرب إلى مصلحة الدولة والمواطن.
ومن كان داعما صادقا لهذا العهد، كما أزعم نفسي، فعليه أن يدافع عنه بالحجة لا بالضجيج، وبالأرقام لا بالعاطفة، وبالإنصاف لا بالخصومة. وهذا ما أفعله هنا: دفاع مسؤول عن قرار صعب، وعن منطق دولة يريد أن يجعل المال العام في خدمة الأضعف، لا في دعم الاستهلاك المفتوح للأقوى.
الناشط السياسي: ازيدبيه ولد احديد



