
ذهبٌ بالمئات ومليارات خلف الجدران.. العراق يوسع حملته لملاحقة الفساد
شهد العراق خلال الأسابيع الأخيرة تصعيدا ملحوظا في إجراءات مكافحة الفساد، شمل استرداد كميات كبيرة من الذهب، وضبط أموال نقدية ومقتنيات ثمينة، وفتح ملفات عقود حكومية بمليارات الدنانير، إلى جانب تنفيذ أوامر قبض واستقدام بحق مسؤولين وموظفين في عدد من مؤسسات الدولة.
وتشير الوقائع المعلنة إلى انتقال التحركات الرقابية من معالجة قضايا منفردة إلى مسار أوسع يجمع بين القضاء وهيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية والأجهزة الأمنية، فضلا عن تنسيق غير مسبوق بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان لتعقب الأموال والممتلكات موضوع التحقيقات.
- مئات الكيلوغرامات من الذهب
برزت قضية عدنان الجميلي، وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية والمتهم الموقوف على ذمة التحقيق، بوصفها واحدة من أكبر الملفات التي كُشف عنها خلال الحملة الأخيرة.
ففي 13 يوليو 2026، أعلن مجلس القضاء الأعلى استرداد 358 كيلوغرامًا من الذهب بالتنسيق مع سلطات إقليم كردستان، إلى جانب ضبط 17 كيلوغرامًا في قضية تحقيقية أخرى، ليرتفع مجموع الذهب المتحفظ عليه خلال ذلك اليوم إلى 375 كيلوغرامًا، سُلّم إلى البنك المركزي العراقي. وأكد القضاء أن الإجراءات تأتي ضمن متابعة الأموال المنقولة وغير المنقولة المرتبطة بالقضايا محل التحقيق. مجلس القضاء الأعلى العراقي
وأكدت حكومة إقليم كردستان من جانبها أن تسليم 358 كيلوغراما من الذهب جاء ثمرة للتنسيق مع الحكومة الاتحادية ضمن حملة مكافحة الفساد وحماية الثروة العامة، مشيرة إلى اتخاذ إجراءات قانونية بحق عدد من المتهمين وضبط أموال وذهب وأملاك. بيان حكومة إقليم كردستان
وبعد ثلاثة أيام، أعلن القضاء ضبط 25 مليار دينار عراقي، و200 ألف دولار أمريكي، وأربعة كيلوغرامات من المصوغات الذهبية، ضمن التحقيقات المتعلقة بالجميلي. وأوضح قاضي التحقيق أن جزءا من الأموال كان مودعا لدى أشخاص، بينما عثر على جزء آخر مخبأً داخل جدران عدد من المنازل، مؤكدًا استمرار التحقيقات لتعقب الأموال وبقية المتورطين المحتملين. مجلس القضاء الأعلى
- العقود الحكومية تحت التدقيق
لم تقتصر الإجراءات على تعقب الأموال، بل امتدت إلى مراجعة العقود الحكومية، خصوصا في القطاعات ذات الإنفاق المرتفع.
وأعلنت هيئة النزاهة الاتحادية تنفيذ أمر قبض بحق ثلاثة ضباط كبار وخمسة مهندسين في مديرية الأشغال العسكرية، على خلفية شبهات فساد ومخالفات في عقد تأهيل وتطوير وتأثيث مستشفى القوة الجوية بمنطقة الرستمية، الذي تجاوزت قيمته 92 مليار دينار.
وقالت الهيئة إن التدقيق كشف عن إحالة العقد بطريقة التعاقد المباشر، من دون اتباع المنافسة السعرية المعتادة، فضلا عن وجود مغالاة في أسعار عدد من فقراته وتعديلات رفعت كلفته التخمينية. وأحيل المتهمون والمضبوطات إلى قاضي التحقيق المختص لاستكمال الإجراءات القانونية، من دون أن يعني ذلك صدور حكم نهائي بإدانتهم. هيئة النزاهة الاتحادية
- تحركات في المحافظات
وفي ديالى، نقلت “بغداد اليوم” عن مصدر حكومي غير مسمى توقيف عشرة موظفين، من بينهم مدير دائرة سابق، على خلفية التحقيق في ملفات تحمل شبهات فساد مالي وإداري. وقال المصدر إن المراجعات قد تشمل ملفات تعود إلى السنوات العشر الماضية. تفاصيل ملف ديالى
كما تحدثت الوكالة عن مداهمة منزلين في كركوك وتفتيشهما لساعات ضمن تحقيقات مرتبطة بملف فساد، من دون الكشف عن هوية صاحبيهما أو طبيعة المضبوطات. وتبقى هذه المعلومات في نطاق التقارير الصحفية، لعدم صدور بيان رسمي يوضح نتائج المداهمات أو الوضع القانوني للأشخاص المعنيين. تفاصيل تحركات كركوك
- 901 عملية خلال ستة أشهر
تكشف إحصاءات هيئة النزاهة عن اتساع النشاط الرقابي خلال النصف الأول من 2026؛ إذ أعلنت الهيئة تنفيذ 901 عملية ضبط، أسفرت عن ضبط 471 متهما بالجرم المشهود.
ووفق الإحصاءات، أصدرت الجهات القضائية 155 أمر قبض واستقدام بحق مسؤولين من ذوي الدرجات الخاصة، كما صدرت 436 حكما قضائيا بالإدانة شملت 491 مدانا. وبلغ عدد ملفات تسلّم الهاربين واسترداد الأموال المهربة 355 ملفا.
وتسلمت الهيئة كذلك 40 ألفًا و567 استمارة لكشف الذمم المالية، ورصدت 113 حالة تضارب في المصالح، ونفذت 555 زيارة لمراقبة الأداء الوظيفي داخل مؤسسات الدولة. إحصاءات هيئة النزاهة عبر وكالة الأنباء العراقية
- إطار حكومي جديد
جاءت هذه التحركات بعد توجيه رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي، في 30 مايو 2026، بتشكيل المجلس السيادي الأعلى للنزاهة والرقابة واسترداد المال العام، برئاسته وعضوية رئيسي ديوان الرقابة المالية وهيئة النزاهة.
ويتولى المجلس متابعة الملفات الرقابية ذات الأثر المالي والاقتصادي في الوزارات والمحافظات، على أن تُحال نتائج أعماله إلى القضاء. كما تقرر تشكيل لجنة مركزية لتدقيق العقود الحكومية قبل إبرامها، والتحقق من مطابقتها للقوانين والتخصيصات المالية. وكالة الأنباء العراقية
ويتزامن ذلك مع بدء تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للنزاهة ومكافحة الفساد للأعوام 2025-2030، التي تستهدف تشخيص مخاطر الفساد وتعزيز الوقاية والرقابة داخل مؤسسات الدولة. وزارة التخطيط العراقية
- تحسن محدود وتحديات مستمرة
رغم تصاعد العمليات، ما تزال مؤشرات الفساد تضع العراق أمام تحديات كبيرة. فقد حصل العراق على 28 نقطة من أصل 100 في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025، مقابل 26 نقطة في 2024، واحتل المرتبة 136 من بين 182 دولة. ويمثل ذلك تحسنًا نسبيًا، لكنه يظل بعيدًا عن المستويات التي تعكس قوة منظومة النزاهة والشفافية. منظمة الشفافية الدولية
ويرى مستثمرون وخبراء عراقيون أن الفساد والبيروقراطية وتعقيد الإجراءات ما تزال تعوق تدفق رؤوس الأموال، رغم التحسن الأمني والفرص الاقتصادية المتاحة، ما يجعل مكافحة الفساد مسألة مرتبطة بالنمو الاقتصادي وثقة المستثمرين، وليست مجرد ملف قضائي. تقرير بيئة الاستثمار
وتقدم الحملة الجارية مؤشرات على تنامي التنسيق بين المؤسسات العراقية، خصوصا في مجال استرداد الأموال وتدقيق العقود الكبرى. غير أن الحكم على نجاحها سيبقى مرتبطا بما تنتهي إليه التحقيقات والمحاكمات، وحجم الأموال المعادة فعليا إلى الخزينة، ومدى خضوع جميع المسؤولين للقانون، مع ضمان حقوق المتهمين وقرينة البراءة وشفافية الإجراءات القضائية.



