
لحراطين.. تاريخ حرية لا يختزل في العبودية: من شنقيط إلى فاس، جذور كرامة ومقاومة
في صفحات التاريخ التي كثيرا ما مر عليها الناس سريعا، تبرز واقعة لافتة تكشف جانبا مهما من تاريخ الحراطين، بعيدا عن الصورة المختزلة التي تحصر وجودهم في الرق وحده.
ففي سنة 1089هـ/1678م يذكر المؤرخ المغربي أحمد بن خالد الناصري في كتابه الشهير “الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى” أن السلطان مولاي إسماعيل تحرك في الصحراء حتى بلغ آقا وطاطا وتيشيت وشنقيط وتخوم السودان، و جلب من تلك الأقاليم “ألفين 2000 من لحراطين” قبل أن يتم إلحاقهم بقواته.
غير أن الأمانة التاريخية تقتضي هنا قدرا كبيرا من الدقة؛ فلفظ “جلب” الوارد في الرواية لا تبين الكيفية التي قدم بها هؤلاء لحراطين، ولا تثبت أنهم كانوا عبيدا له، ولا أنه اشتراهم، ولا أخذهم بالقوة. كما أن المصادر التي تناولت الواقعة لا تحسم إن كانوا قد انضموا إلى السلطان، أو قدموا إليه في سياق سياسي أو قبلي، أو انتقلوا بطريقة أخرى. ولذلك لا يصح تحويل هذا النص إلى دليل على العبودية أو الأسر ما دام المصدر نفسه لم يقل ذلك.
وبعد نحو عشرين عاما، ومع توسع سياسة جمع السود لتكوين جيش السلطان، امتدت العملية إلى حراطين وسود أحرار، وهنا بدأت واحدة من أبرز صفحات الاحتجاج المرتبطة بالحراطين في المغرب.
ففي فاس سنة 1699م احتج حراطين المدينة على محاولة إدخالهم في نظام الاسترقاق والتجنيد، وتمسكوا بحريتهم، ووجد موقفهم صدى لدى عدد من سكان فاس وعلمائها، حتى بلغ الاحتجاج جامع القرويين.
وقد وثق هذه الأحداث المؤرخ ابن الحاج في كتابه “الدر المنتخب المستحسن”، واعتمد عليها لاحقا عدد من الباحثين المتخصصين، من أبرزهم Chouki El Hamel في كتابه Black Morocco: A History of Slavery, Race, and Islam، وكذلك Aziz Abdalla Batran في دراسته حول علماء فاس والمولى إسماعيل وقضية الحراطين.
وتكمن أهمية هذه الوقائع في أن المصادر نفسها لا تقدم لحراطين دائما بوصفهم عبيدا، بل تكشف عن وجود حراطين كانوا يعدون أنفسهم مسلمين أحرارا، ودافعوا عن هذه الحرية عندما تعرضت للتهديد.
وهكذا يمتد أمامنا خيط تاريخي بالغ الدلالة: ذكر صريح للحراطين في المجال الممتد إلى تيشيت وشنقيط سنة 1678م، ثم احتجاج موثق لحراطين فاس سنة 1699م دفاعا عن الحرية.
إنها صفحة تستحق أن تستعاد كما هي، بلا زيادة ولا اختزال؛ لأن تاريخ لحراطين لم يكن تاريخ خضوع فقط، بل كان فيه أيضا وعي بالحرية، وتمسك بالكرامة، واحتجاج حين أصبحت هذه الحرية موضع تهديد.
المصادر:
أحمد بن خالد الناصري، الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى؛
ابن الحاج، الدر المنتخب المستحسن؛
Chouki El Hamel, Black Morocco: A History of Slavery, Race, and Islam؛
Aziz Abdalla Batran، دراسته حول علماء فاس والمولى إسماعيل وقضية الحراطين.
كتبه الخبير القضائي والناشط السياسي: ازيدبيه ولد احديد



