من زاوية باركيول

وهم النفوذ السياسي: خطاب القوة… واختبار الميدان??

في إحدى مقابلاته الإعلامية الأخيرة، حرص سفير موريتانيا لدى دولة قطر، محمد ولد ببانه، على الظهور بمظهر الفاعل السياسي القادر على ما تعجز عنه الأحزاب، حين صرح ضمنا بأنه يستطيع حشد من منتخبين ونواب وعمد من لا تملك بعض التشكيلات السياسية القدرة على جمعهم. غير أن هذا الخطاب، على ما فيه من ثقة زائدة، يطرح أكثر مما يقدم من إجابات، ويستدعي وقفة فاحصة بين القول والواقع.

فنحن، أبناء مقاطعة باركيول، نكاد لا نلمس لهذا النفوذ المزعوم أثرا يذكر على الأرض. إذ لا يعرف للرجل حضور سياسي وازن في مسقط رأسه، ولا تأثير انتخابي ملموس يبرر هذا الاستعراض الخطابي الذي بدا أقرب إلى التمنّي منه إلى المعطيات الواقعية.

وقد جاءت هذه التصريحات في سياق سياسي مرتبك، تزامن مع ما شهدته بلدية الغبرة من مشهد وُصف على نطاق واسع بأنه مهزلة سياسية متكاملة الأركان، ارتبط اسمها بعمدة البلدية انحمودي ولد العبقري. رفعت في بدايتها شعارات براقة عن الوحدة الوطنية، فاستدرج بها بعض الحضور، لكن سرعان ما انكشف خواء الخطاب وضحالة المضمون، فتراجع كثيرون، وبقي المشهد محدود التأثير، مثقلا بالإحراج أكثر مما هو مثقل بالإنجاز.

لا يظهر له في المقاطعة أثر يتعدى دائرة ضيقة معلومة، ولا تلوح منه محاولة جادة لمد الجسور مع أصحاب المقامات الاعتبارية والحضور المعنوي في البلديات؛ أولئك الذين تستمد منهم الهيبة السياسية، ويبنى بهم الاحترام الذي لا تحصره حدود الدوائر.

وإذا عدنا إلى السؤال الجوهري: ما حجم التأثير السياسي الحقيقي للسفير في مقاطعة تضم ثماني بلديات ويزيد عدد سكانها على مئة ألف نسمة؟ فإن أقصى ما يمكن رصده، بحسب معروف محليا، لا يتجاوز دائرة ضيقة تقوم على علاقات مصلحية محدودة، لا على تحالفات سياسية راسخة أو حضور جماهيري معتبر.

فمن حيث العمد، لا يذكر سوى اثنين على أقصى تقدير، أحدهما عمدة الغبرة، وهو محل جدل واسع بسبب أدائه وتصرفاته، والآخر عمدة بلدية لعويسي، الذي تحيط بتموضعه السياسي تساؤلات، بعد انتقاله من دعم النائب السابق صدفي ولد زيدان إلى الاصطفاف مع السفير، لأسباب تتباين الروايات حولها بين المصلحة الشخصية والضغوط السياسية.

أما على مستوى النواب، فيشار إلى نائب واحد فقط، قيل إنه فرض فرضا داخل الحزب، دون أن يكون له وزن سياسي حقيقي أو قاعدة شعبية واضحة في المقاطعة، حيث لا يعرف، بحسب كثيرين إلا بالاسم، لا بالإنجاز ولا بالفعل النيابي المؤثر.

وأمام هذا الواقع، يصبح من المشروع التساؤل: أين هم العمد والنواب المنتخبون الذين قال السفير أنه قادر على حشدهم، كما صرح في استوديو صحراء 24؟ وهل يمكن لهذا التأثير المحدود والمتنازع عليه أن يقارن بما تملكه الأحزاب السياسية القائمة من قواعد وتنظيم وتجربة ميدانية؟

إن الخطاب السياسي، حين ينفصل عن الواقع، يتحول من أداة إقناع إلى عبء على صاحبه. والسياسة لا تُقاس بما يقال في المقابلات، بل بما يُنجز على الأرض، وما لم تدعمه الوقائع، يظل مهما بلغ صوته مجرد ادعاء.

#تبصير_أخلاقي

كتيه : أبن بلدية الغبرة: ازيدبيه ولد احديد

اظهر المزيد

باركيول نت

منصة إعلامية موريتانية مستقلة، تعنى بالثقافة والتراث وتواكب الأحداث الوطنية والدولية بمهنية. هدفنا إنارة الرأي العام بمحتوى رصين يعكس نبض المجتمع وقيمه. نلتزم الدقة والمصداقية واحترام الحقوق وحق الرد والتصحيح وفق القانون وبالتحقق قبل النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى