من رفوف الكتب

لماذا لا تنهض أمة الاتكال؟

ليست مشكلة المجتمعات دائماً في قلة الموارد، ولا في ضعف الإمكانات، ولا حتى في ضيق الفرص. كثير من الأمم بدأت من الصفر، وامتلكت القليل، ثم صنعت كثيراً. في المقابل، امتلكت أمم أخرى موارد وثروات، لكنها بقيت تراوح مكانها.

الفرق الجوهري ليس في الأرض، بل في الإنسان.

ليس في الإمكانات، بل في الإرادة.

والاتكال — بوصفه سلوكا فرديا يتكرر حتى يتحول إلى ثقافة عامة — يمثل أحد أخطر العوائق أمام النهوض.

الاتكال خلل في بناء النفس

في كتابه أدب الدين والدنيا، يعالج الماوردي قضية إصلاح الإنسان من الداخل قبل الحديث عن إصلاح العمران من الخارج. فهو يربط بين تهذيب النفس وصلاح المعاش، ويرى أن الجدّ في الطلب، والسعي في الكسب، من علامات اكتمال العقل ونضج الشخصية.

الماوردي لا يتحدث عن الكسل باعتباره عيباً أخلاقياً بسيطاً، بل يراه مدخلاً إلى فساد أوسع. فالنفس إذا اعتادت الراحة المفرطة، وضعفت همتها، وتعلقت بانتظار غيرها، فقدت قدرتها على المبادرة. ومع تكرار هذا السلوك، يتحول الاتكال من حالة فردية إلى ظاهرة اجتماعية.

وحين يصبح انتظار الغير هو الأصل، يفقد المجتمع إحدى أهم طاقاته: طاقة الفعل.

فالعمل في تصور الماوردي ليس مجرد وسيلة لتحصيل الرزق، بل هو جزء من كرامة الإنسان. ومن ترك السعي مع قدرته عليه، عرّض نفسه للضعف والمهانة، وألقى بعبء وجوده على غيره.

ومن هنا تبدأ أولى خطوات التآكل الداخلي.

العمران يقوم على الكسب

إذا انتقلنا إلى ابن خلدون في المقدمة، نجد تحليلاً أعمق وأوسع نطاقاً. ابن خلدون ينظر إلى المجتمع من زاوية “العمران”، ويقرر قاعدة مركزية: أن قيام الدول واستمرار الحضارات مرتبطان بالكسب والعمل والإنتاج.

العمران عنده لا يقوم على الاستهلاك، بل على الإنتاج. ولا ينمو في بيئة الاتكال، بل في بيئة السعي.

ويشرح ابن خلدون أن من أخطر مراحل التحول في حياة الدول مرحلة الترف. فالترف في نظره ليس مجرد تحسن في مستوى المعيشة، بل هو بداية تحول في السلوك. حين ينتقل الناس من الجدّ إلى الراحة، ومن الإنتاج إلى الاستهلاك، ومن الاعتماد على الذات إلى الاعتماد على الغير، تبدأ العصبية — أي القوة الداخلية التي تحفظ المجتمع — في الضعف.

وهنا يرسم ابن خلدون مساراً واضحاً:

ازدهار

ترف

ضعف الجد

قلة الإنتاج

ضعف العصبية

بداية الانحدار.

إنه قانون اجتماعي، لا مجرد رأي نظري.

الفرق بين الفقر والاتكال

الفقر لا يمنع النهوض بالضرورة. بل إن كثيراً من الحضارات نشأت في بيئات شحيحة الموارد، لكنها امتلكت إرادة قوية للعمل.

أما الاتكال، فيمنع النهوض حتى مع توفر الإمكانات. لأن الاتكال يعطل المحرك الداخلي. المجتمع الذي ينتظر الحل من الخارج، أو من جهة واحدة، أو من فئة محددة، يتنازل عن مسؤوليته الذاتية.

وهنا يتقاطع تحليل ابن خلدون مع معالجة الماوردي:

إصلاح العمران يبدأ بإصلاح الإنسان.

فإذا ضعف الإنسان، ضعف المجتمع.

وإذا تعود الفرد على انتظار غيره، تعود المجتمع بأكمله على التبعية.

من السلوك الفردي إلى الظاهرة الجماعية

قد يبدو الاتكال سلوكاً شخصياً محدود الأثر، لكن أثره يتضاعف حين يتكرر. موظف يتكاسل، تاجر لا يجتهد، شاب ينتظر الفرصة دون أن يصنعها، أسرة تعلّم أبناءها الاتكال بدلاً من المبادرة… ومع تراكم هذه الممارسات، يتشكل نمط عام.

في هذه المرحلة، لا يعود الخلل اقتصادياً فقط، بل يتحول إلى خلل ثقافي.

ثقافة تفضّل الراحة على السعي.

ثقافة تنتقد أكثر مما تعمل.

ثقافة تستهلك أكثر مما تنتج.

وهنا تبدأ مؤشرات الضعف بالظهور، حتى لو لم يُعلن عنها صراحة.

العمل كمسؤولية اجتماعية

من المهم إعادة تعريف العمل في الوعي العام. العمل ليس مجرد وظيفة، ولا مجرد وسيلة لكسب الرزق. هو مساهمة في استقرار المجتمع، وتقوية بنيته، وحفظ توازنه.

حين يعمل الفرد بإتقان، فهو لا يخدم نفسه فقط، بل يسهم في بناء الثقة العامة.

وحين يتكاسل، فهو لا يضر نفسه فقط، بل يضيف عبئاً على غيره.

الأمم التي نهضت لم تنتظر ظروفاً مثالية، بل صنعتها.

والشعوب التي تقدمت لم تبدأ من وفرة الموارد، بل من وفرة الإرادة.

الخلاصة :

النهضة ليست قرارا سياسيا فقط، ولا مشروعا اقتصاديا فقط، بل هي قبل ذلك حالة نفسية جماعية. تبدأ من الفرد، وتتسع إلى المجتمع.

الماوردي يذكرنا بأن إصلاح المعاش يبدأ بإصلاح النفس.

وابن خلدون يبين أن العمران يقوم على الكسب والعمل، ويضعف بالترف والاتكال.

بين هذين التحليلين تتشكل صورة واضحة:

الأمة التي تعمل تنهض.

والأمة التي تنتظر تتآكل.

والسؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يُطرح ليس: لماذا لا نتقدم؟

بل: ماذا ننتج اليوم؟

اظهر المزيد

باركيول نت

منصة إعلامية موريتانية مستقلة، تعنى بالثقافة والتراث وتواكب الأحداث الوطنية والدولية بمهنية. هدفنا إنارة الرأي العام بمحتوى رصين يعكس نبض المجتمع وقيمه. نلتزم الدقة والمصداقية واحترام الحقوق وحق الرد والتصحيح وفق القانون وبالتحقق قبل النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى