
لحراطين في برامج الحركات السياسية (2) – الجزء الأول
نبدأ على بركة الله في تتبع هذا الأثر :
أولاً//تيارات جيل التأسيس :
بطبيعة الحال، تميزت هذه المرحلة باتساع دائرة المطالب السياسية والثقافية المرتبطـة بهوية البلد وحدوده السياسية، والعمل على دفع النظام الى مواجهة التركة الاقتصادية للاستعمار على وجه الخصوص. غير أنًه عند التمحيص في تفاصيل تلك الفترة سنكتشف ادورا بارزة اضطلع بها بعض وجهاء لحراطين الى جانب اندادهم من مختلف المكونات الاخرى، ومن بين هؤلاء المرحوم الهيبة ولد همدي (المتوفى سنة 2021) الذي شغل منصب عمدة مدينة أطار(آدرار)، وكان عنصرا قياديا مؤثرا في صفوف الشبيبة الموريتانية وفي حزب النهضة، و يعدُ من ابناء الارستقراطية الحرطانية في تلك الفترة.
أما في منطقة أندر السنغالية حيث كانت توجد حكومة موريتانيا فقد وجدت هنالك طبقة من المُوردين ورجال الاعمال المنتمين الى اسر معروفة، غير ان اغلبها اما افلس لاحقا أو تراجع نفوذه المالي والاجتماعي لأسباب متعددة.!
ثانيا//القوميون العرب :
برزت التيارات القومية أثناء استقلال موريتانيا وفي السنوات التي اعقبته، وكانت بداياتها متأثرة بأديولوجية حركة القوميين العرب بقيادة نايف حواتمة ثم تعمق هذا التوجه بفع خطابات الزعيم جمال عبد الناصر التي كانت تبثها اذاعة “صوت العرب” من القاهرة، كما أسهم بعض المعلمين الذين تلقوا تكوينهم في جمهورية مصر العربية في نشر الفكر الناصري بعد عودتهعم الى البلاد.
وتقوم الناصرية على مباديء الاشتراكية والقومية العربية، والقيم الجمهورية والعلمانية، ومناهضة الإمبريالية والتضامن مع حركات التحرير في العالم، ولم يصلنا انها لعبت دورا ماديا مباشراً في معالجة قضية لحراطين أو العبيد، وان كانت قد شهدت نقاشات داخليـة (حسب علمنا) حول هوية هذه “الشريحة” وبوجه عام كان الناصريون يرون لحراطين بمختلف اوضاعهم جزءا من المجتمع العربي من الناحية الهوياتية.
لاحقا وفي أوخر ثمانينات القرن العشرين استقطب الناصريون بعض الأوجه التلاميذية والطلابية، مثل سيدي محمد ولد بونة المُلقب المدير، كما كان لهم حضور قوي داخل “اتحاد عمال موريتانيا UTM” بفضل تغلغلهم في الأوساط النقابية والطلابية، بل وحتى داخل بعض بين الدوائر العسكرية والأمنية.
ثالثا//القوميون الزنوج :
شهدت ستينات وسبعينات القرن العشرين ازدهارا بينًا لحركة الزنوجة (la négritude) بين النخب الفكرية الافريقية، بما في ذلك الانتلجانسيا الموريتانية السوداء، وقد سعت هذه الحركة الى استعادة الوعي الأسود والاحتفاء به، والاعتراف بالتراث الأفريقي عموما، وإرساء هوية سوداء عالمية موحدة، وكان من ابرز روادها اليبولد سيدار سينغور، رئيس البلد المجاور والذي كانت موريتانيا عموما تحت تأثيره السياسي والتعليمي والثقافي بل والاجتماعي.
يبدو كذلك أن سياسات التعريب التي انتهجها النظام في بدايات قيام الدولة الموريتانية ساهمت في تسريع بروز هذا النيار واعلانه غن نفسه. وقد رأى رواد حركة الزنوجة في موريتانيا أن البلاد يُحكم من قبل اقلية عربية ـ بربرية، وبالنظر الى محدودية الوعي السياسي والهوياتـي لدى لحراطين آنذاك، في ظل ما كان المكون يعانيه من العبودية والجهل والتهميش، فقد استند قادة هذا التيار الى منطق الاغلبية الديمغرافية متأثرين بمدرسـة الزنوجة التي تعتبر سواد البشرة عاملا حاسمًا في تحديد الانتماء الهوياتي.
وفي هذا السياق ساهم بعض دعاة القومية الزنجية في بلورة ورقة ضغط تقوم على تصور هوياتي للحراطين باعتبارهم زنوجا خاضعين للاستغلال من قبل المجموعة العربية-البربرية، وذلك بهدف الضغط على النظام وارباك حساباته السياسية والاجتماعية.
وتوجد مؤشرات كثيرة على تأثر عدد من المُتعلمين من لحراطين بهذه الدعوات وهو ما تجلى في انتشار استخدام الألقاب الزنجية أو “صنتيهات” الى جاتب الاسم الأول فنجد : عثمان جياخاتيبه وابوبكر افال وكادير جينغ ورمضان سي وعيشتو سيبييه والسالمة جيكو .. الخ. غير ان هذه الظاهرة ذات الدلالة الرمزية، تراجعت لاحقا مع بروز الهوية الحرطانية بوصفها هوية ايجابية بعد أن كانت تقدم في إطار تنميطي سلبي و تحقيري.
كما يذكر بعض الموقعين على رسالة 19 المُشاركين في أحداث انواكشوط 1966 أن خصومهم من العرب هددوهم بإرسال مجموعات من “عبيدهم” للإعتـداء عليهم، وهو ما يعزز الاعتقاد بأن المجموعات القومية من الطرفين كانت تعمل على تجييش لحراطين والاستفادة من قوتهم الضاربة بدنيا وديمغرافيا!!.
رابعا //الكادحين او الحركة الوطنية الديمقراطية (MND) :
كان اغلبُ مؤسسي حركة الكادحين من ذوي الميول القومية العربية الذين أجروا مراجعات فكرية بعد هزيمة العرب في حرب 1967 فاتجهوا نحـو الايديولوجيا اليسارية، ولا سيما الماوية. وقد حاول بعضهم لاحقا التقليل من أثر هذه الخلفية الفكرية لأسباب متعددة من بينها قوة المجتمع التقليدي “المحافظ”، وتصاعد نفوذ التيارات التكفيرية والاسلامية وتوسعها الاجتماعي.
ومع ذلك، يُحسب للكادحين أنهم كانوا من اوائل من تناولوا ظاهـرة العبودية داخل المجتمع الموريتاني ضمن معالجة سياسية واجتماعية، مستندين في ذلك إلى الأدوات الفكرية المعهودة لدى الحركات اليسارية والتي تقوم على الدعوة إلى إلغاء الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج وتحويلها إلى ملكية عامة، والعمل على محو الفوارق الطبقية بهدف الوصول إلى مجتمع يساوى فيه جميع افراده و”بلا طبقات”.
ولهم في ذلك ادبيات كثيرة، من بينها حملات توعية الفلاحين في مزارع أفطوط ، كما أقدم بعض قادتهم على تزويج أخواتهم من “رفاقهم” لحراطين في خطوى رمزية لكسر الحواجز الاجتماعية، (إحدى الحالات موثقة في مقطع لحجار) كذلك تنافسوا في انتاج الاعمال الشعرية والمسرحية الهادفة إلى تحرير العبيد مما كانوا يصفونهم بــ”الاستغلال” !
وضمت حركة الكادحين عددا من القيادات الحرطانية البارزة، من بينهم محمود رياض والكيحل محمد العبد ثم عاشور ولد دمب وبلال ولد ورزك،..الخ وفي مرحلة الحركة الوطنية الديمقراطية mnD برز أيضا الخليل ولد الدده وبوبكر ولد محمد وصمب ديكو (اطار في البوسطة) رحمها الله.
ومنذ إعادة هيكلة الحركة في مطلع السبعينيات ظل لحراطين حاضرين في هيئاتها القيادية المركزية إلى حين حلها الرسمي. وعلى المستوى الميداني، شكل المزارعون والعمال والحرفيون قاعدة اجتماعية حقيقة للحركـة، وهــو ما تجلى في المنافسات النقابية داخل “اتحاد عمال موريتانيا”. وقد كانت الحركة الوطنية الديمقراطية (MND) نشطة في هذه الاوساط حيث عملت على تأطير اليد العامة تنظيما وسياسياً.
في الجزء الاخير والموالي : نذكر الوضع مع البعثيين وحركة الحر، وحركات البرجوازية الصغيرة والحركة الاسلامية. وفي جميع الحالات اعول على مشاركتكم وتصويبكم واضافة ما يثري النقاش
الإعلامي عبيد إميجن …..



