زاوية الرأي

القبيلة بين الضرورة الواقعية وحدود الدور السياسي: قراءة في السياق الموريتاني

يمكن تناول مسألة القبيلة في المجتمع الموريتاني دون قدرٍ كبير من التجرّد والواقعية، فالموضوع شديد الحساسية، ومتجذّر في التاريخ، ومتداخل مع البنية الاجتماعية والسياسية للبلاد.

ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن توجيهات فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني الداعية إلى ضرورة تحجيم دور القبيلة في المجال العام جاءت في محلها من حيث المبدأ، فالدولة الحديثة لا يمكن أن تُبنى على أسس ما قبل الدولة، ولا أن تُدار بمنطق العصبية أو الولاء الضيق.لقد أصاب فخامة الرئيس حين أكّد أن القبيلة لا ينبغي أن تتحول إلى بديل عن الدولة، ولا أن تنافسها في وظائفها السيادية.

فالرابط الاجتماعي، مهما بلغ من القوة والامتداد، لا يمكن أن يضاهي رابط المواطنة القائم على المساواة أمام القانون، وعلى الحقوق والواجبات المشتركة.فالدولة الحديثة تقوم على العقد الاجتماعي والمؤسسات، لا على الانتماء الدموي، وعلى القانون لا على الأعراف.

وفي هذا السياق، يندرج توجه فخامة رئيس الجمهورية ضمن رؤية إصلاحية ترمي إلى أن تسحب الدولة، بشكل تدريجي ومدروس، البساط من تحت البنى التقليدية التي تنافسها في المجال العام، وصولًا إلى ترسيخ دولة المواطنة والعدل والإنصاف، دون استهداف القبيلة في ذاتها أو إنكار دورها الاجتماعي. غير أن بعض الجهات حمّلت هذا التوجه ما لا يحتمل، واتخذته ذريعة لتصفية حسابات أو لمحاولة الإجهاز على القبيلة، متجاهلة عدم جاهزية الدولة، إلى حدّ الساعة، لتعويض جميع الأدوار التي لا تزال تضطلع بها القبائل .فالواقع الاجتماعي عنيد، والطبيعة لا تقبل الفراغ.

وفي الحالة الموريتانية، لا يمكن إنكار أن القبيلة لا تزال تؤدي أدوارًا اجتماعية أساسية لا يوجد، حاليًا، إطار حزبي أو مدني قادر على القيام بها بنفس الفعالية والانتشار.

كما أسهمت القبيلة تاريخيًا، وما زالت، في توحيد المجتمع الموريتاني، وترسيخ التعايش بين مكوّناته، والحفاظ على توازناته الاجتماعية، في ظل اتساع البلاد وضعف الحضور المؤسساتي في مراحل متعددة.ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى القبيلة باعتبارها صمام أمان اجتماعي، خصوصًا في الدول الهشّة.

وتؤكد تجارب حديثة في دول مثل العراق واليمن وسوريا وليبيا أن وجود القبيلة أسهم في الحد من الانزلاق الكامل نحو حروب أهلية طاحنة، ولولاها لكانت الانقسامات الاجتماعية قد تحولت إلى صراعات دموية مفتوحة.

خلاصة القول، إن المقاربة الرشيدة لمسألة القبيلة في موريتانيا لا تكمن في إلغائها أو محاربتها، كما لا تكمن في تكريسها كفاعل سياسي بديل عن الدولة، بل في فهم التوجه الرئاسي في سياقه الصحيح، باعتباره مسارًا إصلاحيًا تدريجيًا، لا أداة للهدم ولا ذريعة للإقصاء.

إن التحول نحو دولة المواطنة والقانون، في هذا المناخ الاجتماعي والتاريخي، لا يمكن أن يتم بقرارات متسرعة أو بقراءات متشددة لتوجيهات عليا، بل لا بد أن يكون تحولًا تدريجيًا، متدرج الخطوات، يراكم الثقة، ويبني المؤسسات، ويخلق بدائل حقيقية قادرة على ملء الفراغ الذي تشغله القبيلة اليوم.

فالدولة المدنية ليست شعارًا يُرفع، بل مسارًا يُبنى، والنجاح فيه رهين بالحكمة في التنفيذ، والعدل في المقصد، والإنصاف في التعامل مع واقع المجتمع كما هو

بقلم: الشيخ أحمد ولد الشيخ أحمد أبي المعالي

اظهر المزيد

باركيول نت

منصة إعلامية موريتانية مستقلة، تعنى بالثقافة والتراث وتواكب الأحداث الوطنية والدولية بمهنية. هدفنا إنارة الرأي العام بمحتوى رصين يعكس نبض المجتمع وقيمه. نلتزم الدقة والمصداقية واحترام الحقوق وحق الرد والتصحيح وفق القانون وبالتحقق قبل النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى