
التمييز الإيجابي: عدل الشريعة وبرهان التجربة
أعاد حراك النهوض إلى ساحة النقاش الوطني قضية التمييز الإيجابي، لا بوصفه بابا للمحاصصة، ولا ذريعة لتقديم غير المستحق، وإنما باعتباره وسيلة تصحيحية لمعالجة غبن طال أمده، وأثقل كاهل الفئات الهشة، وفي مقدمتها لحراطين.
فالتمييز المذموم هو ما قام على العصبية واللون والنسب، فجعل منها أسبابا للحرمان أو الامتياز. أما التمييز الإيجابي فمقصودة إزالة عائق قائم، وتقريب الفرصة ممن حالت ظروفه الاجتماعية والاقتصادية دون بلوغها. وليس المراد أن يقدم غير الكفء لانتمائه، بل ألا يحرم الإنسان من أسباب الكفاءة، ثم يلام بعد ذلك على فقدانها.
ليس العدل أن يعطى الناس الشيء نفسه في كل حال، وإنما أن يوضع الشيء في موضعه، ويُعطى كل إنسان ما يرفع عنه الحيف ويقيم له أسباب المشاركة.
فالتسوية بين من نشأ في بيئة تعليمية مستقرة، ومن ترعرع في الفقر والعزلة وضعف المدرسة، قد تبدو مساواةً في ظاهرها، لكنها تبقي التفاوت في جوهرها. ومن غير الإنصاف أن يقال للسابح والغريق: البحر مفتوح لكما على السواء؛ إذ العدل لا يكتفي بفتح الطريق، بل ينظر كذلك في قدرة الناس على سلوكه.
ذلك قرر الإمام الشاطبي أن الشريعة موضوعة لمصالح العباد في العاجل والآجل، وأن:
(المصلحة إذا كانت هي الغالبة عند مناظرتها بالمفسدة… فهي المقصودة شرعا)
“الموافقات، ج2، ص26-27”
وعلى هذا، فإذا ثبت أن توجيه عناية خاصة إلى الفئات الأشد حرمانا في التعليم والتكوين والتمويل يرفع الأمية والتسرب والفقر، فإن مصلحته الغالبة تكون معتبرة، ولا يجوز رده باسم مساواة شكلية أبقت الواقع مختلا.
وقد جعل الشاطبي اعتبار المآلات أصلا في الاجتهاد؛ فلا ينظر إلى التدبير من صورته الأولى فحسب، بل إلى ما يفضي إليه. ومآل ترك التفاوت بلا علاج أن يلد ضعف التعليم ضعف التأهيل، ثم يلد ضعف التأهيل قلة الحضور في العمل والإدارة والاقتصاد، فيغدو الحرمان ميراثا تتناقله الأجيال.
أما العز بن عبد السلام فقد قرر أن غرض الشرع تحصيل مصالح الإنسان، وأن الأعذار والمشاق “رتب متفاوتة”. (قواعد الأحكام، ج2، ص5، وص12-16). وهذا يقتضي أن تختلف التدابير باختلاف الحاجات؛ فمن كان أشد فقرا، وأبعد عن المدرسة، وأضعف وصولا إلى التمويل، كان أولى بالعناية ممن زالت عنه تلك العوائق.
غير أن الاستحقاق لا ينبغي أن يقوم على الانتماء وحده؛ بل يربط بالفقر، ومكان الإقامة، ونوعية التعليم، وقدرة الأسرة، ومقدار الحرمان الفعلي، حتى لا تتحول السياسة التصحيحية إلى امتياز تستأثر به النخب الميسورة باسم الفئات المهمشة.
وانطلاقا من هذا جعل محمد الطاهر بن عاشور من مقاصد الشريعة:
“حفظ نظام العالم وإصلاح المجتمع”
وقال إن أحكامها راجعة إلى “صلاح المجتمع والأفراد”. (مقاصد الشريعة الإسلامية، ص8-10).
ومن ثم، فإن إنصاف لحراطين والفئات الهشة ليس نفعا محصورا في جماعة بعينها؛ لأن تعليم الطفل المحروم، وتأهيل الشاب العاطل، وتمويل صاحب المشروع، يعود أثره على المجتمع كله. فالمتعلم يصبح طبيبا أو معلما أو مهندسا، وصاحب المشروع يخلق فرص العمل، والأسرة المنتجة تنتقل من دائرة الاتكال إلى دائرة المشاركة.
والدولة التي تترك طاقات جزء من أبنائها معطلة لا تظلمهم وحدهم، بل تضعف اقتصادها، وتضيق قاعدة كفاءاتها، وتزرع في النفوس شعورا بأن المواطنة حق مكتوب لا أثر له في واقع الحياة.
لقد بنى الإمام القرافي كتابه الفروق على الكشف عن الأوصاف المؤثرة التي تجعل صورتين متشابهتين في الظاهر مختلفتين في الحكم. فاشتراك المواطنين في الكرامة والجنسية لا يعني تماثلهم في أسباب الوصول إلى التعليم والعمل والتمويل.
ولهذا فإن توجيه عناية إضافية إلى منطقة لا مدارس فيها، أو إلى فئة ضعفت فرصها بفعل حرمان متراكم، لا يناقض المساواة، بل يمنع التسوية بين أحوال متباينة.
أما ابن القيم فقد قرر أن الحاكم يحتاج إلى فقه الأحكام وفقه الواقع حتى (يعطي الواقع حكمه من الواجب)، وقال:
“فإذا ظهرت أمارات العدل وأسفر وجهه بأي طريق كان، فثم شرع الله ودينه”
“الطرق الحكمية، ج1، ص7 وص31”.
فالعبرة ليست بحداثة اسم التمييز الإيجابي، وإنما بعدالة أثره. فإن كان طريقا إلى رفع الغبن، وتوسيع التعليم، وبناء الكفاءة، مع حفظ حقوق الآخرين، فهو من السياسة العادلة. وإن تحول إلى عصبية أو امتياز دائم أو وسيلة للولاء السياسي، كان ظلمًا يجب رده.
أما أبو عبيد القاسم بن سلام افتتح بابا في كتاب الأموال بعنوان:
“باب حق الإمام على الرعية، وحق الرعية على الإمام”.
وأورد حديث: كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته. (كتاب الأموال، ج1، ص31-33).
فمن حق المواطنين أن تبلغهم موارد الدولة، وألا يبقى بعضهم خارج التعليم والخدمات والاقتصاد. وليس العدل المالي أن تتطابق النفقات بين منطقة مكتفية وأخرى محرومة، بل أن يوجه المال إلى موضع الحاجة؛ فتقام المدارس، ويوفر النقل والغذاء، وتضمن قروض الشباب، وتفتح أمامهم أبواب الإنتاج.
من هنا يؤكد أحمد الريسوني أن المصلحة المتحققة يجب جلبها، والمفسدة الواقعة يجب دفعها، ولو لم يرد في صورتها نص خاص، ما دامت ملائمة لمقاصد الشريعة. (نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي، ص364-365).
أما أمارتيا سن فيجعل العدالة متصلة بما يستطيع الإنسان تحقيقه فعلا، لا بما تقرره المؤسسات على الورق. فالحق في التعليم يظل ناقصا إذا غابت المدرسة، والحق في التمويل يغدو وهما إذا كانت شروطه فوق طاقة الفقير.
ويقترب جون راولز من هذا المعنى حين يجعل العدالة متعلقة بالبنية الأساسية للمجتمع، ويشترط تكافؤا منصفا للفرص، ويضع الفئات الأقل حظا في قلب تقييم السياسات العامة.
فالفرصة لا تكون عادلة لمجرد أنها معلنة للجميع، وإنما حين تكون أسباب الوصول إليها موزعة على نحو منصف.
ولم يبقى التمييز الإيجابي حبيس التنظير، بل أخذت به دول واجهت تفاوتات تاريخية عميقة.
ففي الهند أقرت ترتيبات خاصة في التعليم والوظائف لفئات عانت تهميشا اجتماعيا ممتدا، انطلاقا من أن منع التمييز وحده لا يمحو آثاره المتراكمة.
وفي جنوب إفريقيا لم يكتف الدستور بعد سقوط الفصل العنصري بإعلان المساواة، بل أجاز تدابير للنهوض بمن أضر بهم التمييز الجائر، فجعل التصحيح جزءًا من المساواة نفسها.
وفي البرازيل خصصت مقاعد في الجامعات والمعاهد الاتحادية لخريجي المدارس الحكومية وبعض الفئات التي عانت تهميشا تاريخيا، مع مراعاة الدخل ونوعية التعليم السابق، حتى لا تصبح الهوية وحدها معيارًا للاستحقاق.
أما ماليزيا فقد اعتمدت سياسة اقتصادية هدفت إلى مكافحة الفقر وتوسيع المشاركة الاقتصادية، غير أن تجربتها كشفت أيضًا ضرورة إخضاع السياسات التصحيحية للمراجعة، حتى لا تستولي عليها النخب أو تتحول إلى امتياز دائم.
وتدل هذه التجارب على أن المجتمعات التي واجهت اختلالا بنيويا لم تكتف بالمساواة المكتوبة، بل اتخذت تدابير عملية لردم الفجوات. كما تدل على أن التمييز الإيجابي يفقد عدالته إذا انفصل عن الحاجة، أو أهدر الكفاءة، أو استمر بعد زوال سببه.
نحن في موريتانيا ما لذي تحتاجه موريتانيا؟
ينبغي أن يبدأ التمييز الإيجابي من التعليم؛ بتوجيه المدرسين الأكفاء، والنقل، والمنح، والتغذية المدرسية إلى آدوابه والحياء الصفيح والقرى والأحياء الأشد حرمانا.
ثم يمتد إلى التكوين والتشغيل، عبر برامج تأهيل تسبق المسابقات، وأولوية عند تساوي الكفاءة، وإلى الاقتصاد بواسطة ضمان القروض، ومرافقة المشاريع، وتيسير النفاذ إلى الأرض والأسواق والصفقات الصغيرة.
ولا يكون ذلك حقا عرقيا دائما، بل سياسة علاجية تقوم على بيانات واضحة، وتجمع بين أثر الغبن والحاجة الفعلية، وتحفظ حد الكفاءة، وتخضع للتقييم، وتنتهي أو تتغير متى زالت أسبابها.
ختاما : إن التمييز الإيجابي المنضبط ليس تفضيلا لفئة على الوطن، بل إدخال لفئة ظلت طاقاتها معطلة في خدمة الوطن لأسباب منها العبودية وما تربت عليها من آثار. وليس انتقاما من أحد، وإنما تصحيح لمسار لم تكن بداياته متكافئة.
فالوحدة الوطنية لا يحفظها إنكار الغبن، وإنما يحفظها رفعه. والمساواة لا تتحقق بأن نقول للمقيد والطليق: انطلقا معًا؛ بل بأن نفك القيد أولًا، ثم ندع الجهد والكفاءة يحكمان بينهما.
الناشط السياسي والخبير القضائي عضو حراك النهوض : ازيدبيه احديد


