
لحراطين في معركة الگانه…حين حفظت شهادة الميدان أثر المقاتلين
ليس التاريخ ما تقوله الروايات الكبرى وحدها؛ فكثيرا ما يبقى حضور بعض الجماعات محفوظا في هامش كتب، أو في ملاحظة عابرة لرحالة، أو في وصف سريع لمشهد منسي. ومن بين تلك الشهادات ما وصل إلينا عن مشاركة لحراطين في المواجهة المعروفة في بعض المصادر باسم معركة الگانه سنة 1891، في سياق الصراع على إمارة الترارزة بين أحمد سالم بن اعلي وأعمر سالم.
في كتاب “حياة موريتانيا: حوادث السنين” للمختار بن حامد، يرد في الهامش، نقلا عن الرحالة الفرنسي ليون فبير Léon Fabert، وصف لتوزيع قوات أحمد سالم، جاء فيه:
“فعلى الميمنة زنوج شمامة، وفي القلب الترارزة، وفي المقدمة حراطين أولاد أحمد بن دمان، وفي الميسرة البراكنة.
هذه العبارة، على قصرها، تحمل قيمة تاريخية واضحة؛ فهي لا تكتفي بذكر لحراطين ضمن الجيش، بل تحدد لهم موقعا في تشكيله العسكري، وتذكرهم باسمهم الصريح: حراطين أولاد أحمد بن دمان قبليا.
غير أن الصورة تصبح أكثر حياة حين نعود إلى الرواية الفرنسية الأصلية. فقد رافق فبير جيش أحمد سالم، ثم نشر مشاهداته سنة 1892 في نص بعنوان:
Voyage dans le pays des Trarzas et dans le Sahara occidental
وفي الصفحة 379، كتب:
“Les harratines s’avançaient de front sur deux lignes, en chantant un air guerrier d’un rythme doux et grave.”
أي:
“كان لحراطين يتقدمون متراصين في صفين، وهم ينشدون لحنا حربيا ذا إيقاع هادئ ورصين.
هنا لا نعود أمام ذكر اسمي فحسب، بل أمام مشهد كامل: رجال يتقدمون في تشكيل منتظم، صفين متوازيين، ويصاحب تقدمهم إنشاد حربي. لا يسجل فبير أسماءهم الفردية، ولا يذكر عددهم، لكنه يحفظ هيئتهم وهم في مسير عسكري، ويجعل حضورهم جزءا ظاهرا من لوحة المعركة.
ويضع فبير هذا الوصف ضمن تشكيل أوسع للجيش؛ فيذكر الولوف في الجناح الأيمن، والترارزة في الوسط، وقوات البراكنة في الجناح الأيسر. ثم يروي وصول الجيش إلى موضع مشرف على بحيرة كيار، وانطلاق فرسان يامار، تتبعهم المشاة، نحو معسكر أولاد عايد. وبحسب روايته، انتهت المواجهة بتراجع جيش أعمر سالم وانسحابه نحو الشيخ سيديا.
وهكذا تحفظ لنا هذه الصفحات جانبًا من الحضور العسكري للحراطين في أواخر القرن التاسع عشر؛ حضورا لا يقوم على الرواية الشفوية وحدها، بل على نص مكتوب سجل اسم الجماعة ووصف حركتها في الميدان.
إن استعادة مثل هذه الشواهد لا تعني اختراع بطولة، ولا تحميل النصوص ما لم تقله؛ بل تعني ببساطة إعادة كل اسم إلى موضعه من التاريخ. فالتاريخ يزداد إنصافا كلما عادت إليه الأسماء التي عبرت صفحاته، ولم تجد دائما من يتوقف عندها.
المصادر المقالة :
[1] كتاب المختار بن حامد، حياة موريتانيا: حوادث السنين، أربعة قرون من تاريخ موريتانيا وجوارها، ص 604 المطبوعة، صفحة 601 من ملف PDF، الهامش الخاص بمعركة الگانه.
[2] Léon Fabert, Voyage dans le pays des Trarzas et dans le Sahara occidental, Bulletin de la Société de Géographie, 1892، ص 377–380. ووصف الحراطين في ص 379 المطبوعة، صفحة 9 من ملف PDF. الترجمة العربية من النص الفرنسي.
بقلم : الخبير والناشط السياسي والباحث “ازيدبيه ولد احديد



