زاوية الرأي

الدولة مسروقة لعائلة الحاكمة والقبيلة تحدد.

في اغلب الدول العربية والافريقية نلاحظ نمطا متكررا يجمع بين ضعف الاحزاب السياسية وهيمنة العائلات الحاكمة في واقع تتغول فيه السلطة وتسيطر على الاقتصاد الريعي بينما تصبح القبيلة موردا سياسيا وتغيب الكفاءة فتتفكك الدولة في نهاية المطاف. هذه الظاهرة ليست مجرد صدفة بل نتيجة تراكمية لعوامل هيكلية واخلاقية وسياسية.

الاحزاب السياسية في هذه الدول غالبا ما تكون واجهات شكلية تفتقر الى برنامج واضح ورؤية استراتيجية وتتحول الى مجرد ادوات لتعبئة الاصوات عند الانتخابات. و تسيطر العائلات الحاكمة على مفاصل الدولة فتجعل من السلطة امتدادا للثروة والنفوذ العائلي وليس خدمة للمجتمع. هذا التناقض يؤدي الى تراجع الدور السياسي للاحزاب وتحويلها الى مجرد ديكور يضفي شرعية شكلية على النظام. المشكلة ليست سياسية فحسب بل ثقافية ايضا اذ اعتاد المجتمع على الولاء الشخصي او العائلي وليس للبرنامج او المبادئ السياسية. وبالتالي يصبح النخب السياسية الحقيقية مستبعدة ويصبح التعيين في المناصب العليا مرتبطا بالانتماء العائلي او القبلي اكثر من الكفاءة والخبرة.

الاقتصاد الريعي هو الجوهر الخفي للازمة. عندما تتحكم الدولة في الموارد الطبيعية وتوزع الثروة وفق ولاء سياسي او قبلي فانها تعزز ثقافة التبعية والفساد. هذا النوع من الاقتصاد يقتل روح المبادرة ويشل التنمية الحقيقية ويحول السلطة الى اداة ابتزاز وليس خدمة عامة. في ظل الاقتصاد الريعي تصبح الدولة آلة لتوزيع المكاسب وليس لتنظيم الاقتصاد او تحفيز السوق الحرة. هذا يعزز السيطرة السياسية ويضعف المؤسسات المستقلة ويجعل اي تغيير جذري في السياسات الاقتصادية او الاجتماعية شبه مستحيل.

القبيلة تتحول في هذا الواقع الى اداة سياسية استراتيجية. الولاء القبلي يستغل لتامين الاصوات وللمحاصصة في المناصب ولتعزيز النفوذ المحلي. هذا الاستغلال السياسي للقبيلة يقوض الوحدة الوطنية ويغذي الانقسامات اذ تصبح الولاءات القبلية اهم من الولاء للدولة او القانون او الكفاءة. النتيجة هي ان القرارات السياسية غالبا ما تعكس مصالح جماعية محدودة وليس المصلحة العامة ما يؤدي الى ضعف مؤسسات الدولة وتزايد مظاهر الفساد والمحسوبية.

غياب الكفاءة هو الظاهر والنتيجة النهائية لهذه المنظومة الفاسدة. عندما يتم تعيين المسؤولين وفق الولاءات لا المهارات تتراجع فعالية الاجهزة الحكومية وتنهار الخدمات الاساسية ويصبح المواطن هو الخاسر الاكبر. الدولة تتحول الى كيان هش عرضة للتفكك والانهيار في اي ازمة سياسية او اقتصادية او اجتماعية. تفكك الدولة لا يعني فقط انهيار المؤسسات بل فقدان الثقة بين المواطنين والدولة وظهور مظاهر عنف وصراع داخلي وغالبا ظهور مجموعات موازية للسلطة الرسمية تستغل الفراغ الامني والسياسي.

هذه المعادلة ضعف الاحزاب هيمنة العائلة + الاقتصاد الريعي + الولاءات القبلية + غياب الكفاءة = وصفة لتفكك الدولة وفشلها في اداء وظائفها الاساسية. وللحل لا يكفي مجرد اصلاح جزئي المطلوب بناء احزاب سياسية قوية تعتمد على البرامج والرؤية وليس الولاءات تحرير الاقتصاد من الريعية وتوسيع القاعدة الانتاجية فصل الولاءات القبلية عن السياسة الرسمية عبر قانون ومؤسسات مستقلة رفع الكفاءة في الادارة واستبعاد اي ولاءات لا علاقة لها بالخبرة واعادة الثقة بين المواطن والدولة عبر العدالة وتطبيق القانون بلا استثناء.حتى يتحقق ذلك سيظل الواقع السياسي والاجتماعي في هذه الدول دائرة مغلقة من الفشل تغذيها المصالح الخاصة وتكبح اي تطور حقيقي.

بقلم الكاتب : زكريا_نمر

اظهر المزيد

باركيول نت

منصة إعلامية موريتانية مستقلة، تعنى بالثقافة والتراث وتواكب الأحداث الوطنية والدولية بمهنية. هدفنا إنارة الرأي العام بمحتوى رصين يعكس نبض المجتمع وقيمه. نلتزم الدقة والمصداقية واحترام الحقوق وحق الرد والتصحيح وفق القانون وبالتحقق قبل النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى