أفق الثقافة

العبودية فى السياق القرآني الحلقة 2

لماذا لم تجرم الشريعة الرق ابتداء ؟

بقلم الفلقيه الدكتور: الشيخ ولد الزين ولد الامام

الناظر في الشريعة على وجه الاستقراء التامّ، لا يقف عند ظواهر الأحكام مفردةً، ولا عند دلالات الألفاظ مجتزأةً، حتى يردّها إلى أصولها الكلية التي تنتظمها، ومقاصدها العامة التي ترجع إليها؛ إذ بها يتبيّن وجه الارتباط بين الجزئيّ والكليّ، وينكشف سرّ التفاوت بين ما يُؤخذ على جهة التقرير، وما يُفهم على جهة التدبير.

وإذا تقرّر هذا، فمسألة العبودية لا ينبغي أن تُنزَّل منزلة الأفعال الاختيارية التي يتوجّه إليها خطاب التكليف ابتداءً، فيُطلب فيها حكمٌ قاطع من تحريمٍ أو إباحة، بل هي من قبيل الأوضاع الغالبة التي تَرسّخت في الاجتماع الإنساني رسوخَ الجبِلّة أو قاربته، حتى صارت كأنها من مقتضيات العمران، لا من عوارضه الطارئة، فكان النظر فيها من جهة الشريعة نظراً يتجاوز مجرّد الحكم عليها، إلى النظر في أسبابها، وعلل بقائها، ومآلات زوالها.

وبيان ذلك أن الشريعة – لما كانت موضوعة لتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها – لم تجرِ في رفع المفاسد على وزان واحد ، بل اعتبرت في ذلك مراتبها، وقابلياتها للزوال، وما يفضي إليه رفعها من لوازم؛ إذ ليس كلّ مفسدةٍ تُرفع على وجهٍ واحد، بل منها ما يُزال دفعةً، ومنها ما لا يُمكن رفعه إلا على التدريج، رعايةً لما يتعلّق به من المصالح الأخرى، ودفعاً لما قد يتولّد عن إزالته من مفسدةٍ أرجح.

وعلى هذا الأصل، تُحمل جملةٌ من تصرّفات الشريعة .

لقد كان الرقّ أمراً مستفيضاً لا يُنازع فيه، حتى صار كأنه من المسلّمات الاجتماعية التي ينبني عليها نظام المعاش، ويتقوّم بها جانبٌ من جوانب حياة الأمم ، ويتعلّق بها أمر السلم والحرب .

ولعل نزع الغطاء القيمي عنه جعله أمرا طارئا بغيضا تنبغى معالجته والانتهاء منه حسب الأحوال والأزمان ..

لم يتوجّه الشارع إلى هذا النظام بالإزالة المباشرة، بل سلك فيه مسلكاً أدقّ، وهو إضعافه من جهة أسبابه، وتقليل مجاريه، وتوسيع مخارجه؛ فحصر مورده في أضيق ما يكون، وفتح أبواب الخروج منه ، حتى أدرج الإخراح منه في القُرَب، وقرنه بجملةٍ من الكفّارات، فصار الخروج منه مطلوباً شرعاً طلباً متكرّراً، لا يقع على جهة الاتفاق، بل على جهة القصد والتشريع.

وإذا ضُمَّ هذا الى قواعد التكريم الإنساني وتشوفه للحرية ، علم أن الشريعة إنما قصدت إلى نقض هذا النظام من أصوله، لا إلى تثبيته ؛ إذ بقاء الصورة مع زوال المعنى لا يلبث أن يفضي إلى زوال الصورة تبعاً له، لأن الأحكام إنما تدور مع عللها، فإذا انتفت العلّة انتفى الحكم، وإن بقيت صورته في الظاهر زمناً.

وهذا المعنى يرجع إلى أصلٍ كليّ، وهو اعتبار المآلات؛ فإن الفعل قد يكون في صورته الأولى غير دالٍّ على مقصوده، لكن بالنظر إلى مآله يتبيّن وجه اندراجه تحت مقصدٍ كليٍّ معتبر، فالشريعة – من هذه الجهة – لا تُحاكم بما عليه ظاهر المرحلة، بل بما تؤول إليه في مجموعها، إذ العبرة بكمال المقاصد، لا بمجرد جزئيات الوسائل.

فإذا تقرّر أن مآل هذا المسلك هو تقليل الرقّ حتى يضمحلّ، وأن وسائله موضوعة على هذا الترتيب، لم يبقَ للإشكال المتقدّم وجهٌ يُعتدّ به، لأن عدم التصريح بالإبطال لا يدل على إقرار، كما أن الإبقاء على بعض الصور لا يدل على قصد الدوام، بل قد يكون من باب استبقاء ما لا يتمّ رفعه إلا به، حتى إذا استُوفيت شروط الإزالة، وقع الإبطال على وجهه.

وعلى الجملة، فإن الشريعة في هذا الباب لم تُقرّر العبودية من حيث هي، ولا أبقتها على مقتضى ما كانت عليه، وإنما تلقّتها تلقّي المصلح للواقع، لا المنشئ له، فجرى فيها على مقتضى ما تقرّر من قواعدها الكلية، حتى صارت – باعتبار مآلها – آيلةً إلى الزوال، وإن بقيت – باعتبار حالها – متلبّسةً ببعض آثارها.

ولعله يطرح سؤال آخر أنه كان الأوفق بأبدية الشريعة أن يتم التجريم بغض النظر عن الامتثال من عدمه ؟

والجواب إن القول بأبدية الشريعة لا يستلزم – عند التحقيق – ثبات صور الأحكام في كلّ سياق، بل على معنى ثبات مقاصدها الكلية، وقواعدها الحاكمة، وأصولها الموجِّهة، بحيث تبقى صالحةً لإنتاج الأحكام في مختلف الأحوال، لا لفرض صورةٍ تاريخية بعينها على جميع الأزمنة.

وعلى هذا، فإن السؤال: “لماذا لم تُجرِّم الشريعة العبودية مطلقاً ما دامت أبدية؟”

ينبني على افتراضٍ مضمر، وهو أن الأبدية تقتضي التصريح بكل النهايات في صورة أحكام مغلقة، وهذا محلّ نظر.

ذلك أنّ الشريعة – في بنيتها – ليست “قانوناً وضعيّاً جامداً”، بل هي نظامٌ مولِّد للأحكام، يعمل عبر:الكليات والمقاصد والقواعد لا عبر النصوص الجزئية وحدها.

وإذا استقرأنا مسالك الشريعة، تبيّن أن:

ما كان من الأصول والمقاصد جاء على جهة الإحكام والثبات

وما كان من التدابير الجزئية جاء على جهة الارتباط بالسياق فالحرية – مثلاً – من حيث هي كرامة إنسانية: مقصد ثابت أما صور التعامل مع الواقعٍ فمتغيّرة بحسب الإمكان ..

ولهذا فقد قعد الشارع قواعد “آلية إلغاء” بدل إعلان “حكم إلغاء” فكان الإلغاء “نتيجة لمسار” لا “نصاً جاهزاً”

ومن ثمّ، فإن عدم تجريم العبودية نصّاً ليس إقراراً لأبديتها، بل إدراجٌ لها ضمن حيّز التدبير التاريخي، بحيث ينتهي وجودها بانتهاء شروطها، وفق آليات أودعتها الشريعة نفسها. (يتبع )

اظهر المزيد

باركيول نت

منصة إعلامية موريتانية مستقلة، تعنى بالثقافة والتراث وتواكب الأحداث الوطنية والدولية بمهنية. هدفنا إنارة الرأي العام بمحتوى رصين يعكس نبض المجتمع وقيمه. نلتزم الدقة والمصداقية واحترام الحقوق وحق الرد والتصحيح وفق القانون وبالتحقق قبل النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى