إفريقيا والعالم

استفتاء28 سبتمبر1958 : بداية المسار الدستوري نحو استقلال موريتانيا.

شكل استفتاء 28 سبتمبر 1958 محطة مفصلية في تاريخ موريتانيا السياسي والدستوري، إذ مثل الانتقال العملي من وضعية الإقليم الخاضع للإدارة الاستعمارية الفرنسية ضمن اتحاد إفريقيا الغربية الفرنسية إلى كيان سياسي يتمتع بالحكم الذاتي، ويتهيأ تدريجيا للاستقلال الكامل الذي تحقق لاحقا في 28 نوفمبر 1960.

خلفية الاستفتاء

جاء هذا الاستفتاء في سياق الأزمة السياسية العميقة التي عرفتها فرنسا سنة 1958 بسبب حرب الجزائر وتداعيات انهيار الجمهورية الرابعة، وهو ما أدى إلى عودة الجنرال شارل ديغول إلى السلطة في يونيو 1958، حيث شرع في إعداد دستور جديد أسس للجمهورية الفرنسية الخامسة.

و تضمن المشروع الدستوري الفرنسي تصورا جديدا للعلاقة بين فرنسا ومستعمراتها الإفريقية، يقوم على إنشاء ما سُمّي بـ(الجماعة الفرنسية) أو (المجموعة الفرنسية الإفريقية)، وهي صيغة اتحادية تمنح الأقاليم الإفريقية حكما ذاتيا واسعا، مع إبقاء مجالات السيادة الكبرى ـ مثل الدفاع والسياسة الخارجية والعملة ـ تحت إشراف فرنسا.

وفي هذا الإطار، منحت شعوب المستعمرات الفرنسية في إفريقيا حق الاختيار بين:

● التصويت بـ(نعم) لصالح الدستور الجديد، وبالتالي الانضمام إلى الجماعة الفرنسية مع الحصول على وضعية جمهورية ذات حكم ذاتي داخلي.

● التصويت بـ(لا)، بما يعني الرفض الكامل للمشروع الفرنسي واختيار الاستقلال الفوري، مع ما قد يترتب على ذلك من قطع للمساعدات الإدارية والمالية والتقنية الفرنسية.

جولة ديغول في إفريقيا

خلال شهر أغسطس 1958، قام الجنرال ديغول بجولة واسعة شملت عددا من العواصم الإفريقية التابعة لفرنسا، بهدف شرح مشروع الدستور الجديد وحشد التأييد له، و حرصت الإدارة الاستعمارية والأحزاب الموالية لفرنسا على تعبئة السكان للتصويت لصالح خيار (نعم)، باعتباره الطريق الأكثر أمانا نحو التطور التدريجي والاستقرار السياسي.

وفي المقابل، ظهرت في بعض الأقاليم تيارات راديكالية طالبت بالاستقلال الفوري، وكان أبرزها في غينيا بقيادة أحمدو شيخو توري، التي اختارت التصويت بـ(لا)، لتصبح الدولة الإفريقية الوحيدة داخل إفريقيا الغربية الفرنسية التي رفضت مشروع ديغول، فنالت استقلالها مباشرة في 2 أكتوبر 1958 دون توقيع اتفاقيات تعاون مع فرنسا.

أما بقية الأقاليم الإفريقية، ومنها موريتانيا، فقد صوتت بأغلبية ساحقة لصالح الدستور الجديد والانضمام إلى الجماعة الفرنسية.

الاستفتاء في موريتانيا

أُجري الاستفتاء في موريتانيا يوم 28 سبتمبر 1958 تحت إشراف الإدارة الفرنسية والسلطات الإقليمية المحلية، في ظرفية سياسية كانت تتسم بصعود النخب الوطنية الموريتانية وتزايد النقاش حول مستقبل البلاد السياسي وعلاقاتها الخارجية.

وقد جاءت نتائج التصويت على النحو التالي:

عدد المسجلين: 382,880

عدد المصوتين: 322,451

الأصوات المعبر عنها: 321,144

نتائج التصويت

المصوتون بـ(نعم) : 302,018 صوتا

بنسبة: 94.04%

المصوتون بـ(لا) : 19,126 صوتا

بنسبة: 5.95%

و عكست هذه النتائج هيمنة التيار المؤيد لخيار الحكم الذاتي التدريجي داخل إطار الجماعة الفرنسية، وهو التوجه الذي تبنته غالبية القيادات السياسية والإدارية التقليدية في البلاد آنذاك.

من الإقليم إلى الجمهورية

بعد نجاح الاستفتاء، دخلت موريتانيا مرحلة سياسية جديدة اتسمت بإعادة تنظيم مؤسسات الحكم المحلي والتحضير لبناء دولة ذات مؤسسات دستورية مستقلة.

وفي 25 نوفمبر 1958، عقدت اللجنة القيادية لحزب التجمع الموريتاني (PRM) اجتماعا مهما في نواكشوط، أكدت خلاله ضرورة إقامة دولة موريتانية تتمتع بالاستقلال الذاتي داخل الجماعة الفرنسية، مع التشديد على أهمية التعاون والتضامن مع بقية دول إفريقيا الغربية، خاصة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وكان حزب التجمع الموريتاني قد أصبح القوة السياسية الرئيسية في البلاد بعد اندماج عدد من التيارات والأحزاب المحلية، كما لعب دورا محوريا في إدارة المرحلة الانتقالية نحو الاستقلال.

إعلان الجمهورية الإسلامية الموريتانية

وفي 28 نوفمبر 1958، التأمت الجمعية الإقليمية الموريتانية في أول اجتماع لها بمدينة نواكشوط، وأعلنت بالإجماع قيام (الجمهورية الإسلامية الموريتانية) كجمهورية عضو في الجماعة الفرنسية.

ويعد هذا الإعلان خطوة تأسيسية حاسمة في التاريخ السياسي الموريتاني، إذ مثل أول اعتراف مؤسساتي بوجود كيان جمهوري موريتاني مستقل إداريا عن البنية الاستعمارية التقليدية لاتحاد إفريقيا الغربية الفرنسية.

وخلال الجلسة نفسها، قررت الجمعية الإقليمية تحويل نفسها إلى جمعية تأسيسية مداولة تتولى إعداد الإطار القانوني والدستوري للدولة الجديدة، كما كُلّفت الحكومة بتشكيل لجنة دستورية لإعداد مشروع دستور وطني ينظم مؤسسات الجمهورية الناشئة.

الطريق نحو الاستقلال الكامل

مثل استفتاء 28 سبتمبر 1958 بداية المرحلة الأخيرة من المسار الاستقلالي الموريتاني، إذ انتقلت البلاد بعده من مجرد إقليم استعماري إلى جمهورية ذات حكم ذاتي داخلي، قبل أن تدخل في مفاوضات متدرجة مع فرنسا حول نقل الصلاحيات السيادية.

وخلال السنتين التاليتين، عملت النخبة السياسية الموريتانية على بناء المؤسسات الإدارية والدستورية للدولة الجديدة، وتوسيع الاعتراف الخارجي بها، رغم التحديات الإقليمية والدولية، وخاصة المطالب المغربية بضم موريتانيا.

وفي نهاية المطاف، توج هذا المسار بإعلان الاستقلال الكامل للجمهورية الإسلامية الموريتانية يوم 28 نوفمبر 1960، وانتخاب الأستاذ المختار ولد داداه رئيسا للجمهورية الجديدة يوم 20 أغسطس 1961.

اظهر المزيد

باركيول نت

منصة إعلامية موريتانية مستقلة، تعنى بالثقافة والتراث وتواكب الأحداث الوطنية والدولية بمهنية. هدفنا إنارة الرأي العام بمحتوى رصين يعكس نبض المجتمع وقيمه. نلتزم الدقة والمصداقية واحترام الحقوق وحق الرد والتصحيح وفق القانون وبالتحقق قبل النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى