من زاوية باركيول

التحولات السياسية في مقاطعة باركيول: صراع الطموحات ومأزق التمثيل العادل

بقلم الإطار والفاعل السياسي: محمد محمود ولد حباك

تشهد مقاطعة باركيول تحولات سياسية متسارعة منذ سنوات، تتأرجح بين صراع النخب التقليدية وبروز مطالب الشرائح المهمشة، وبين محاولات النظام الحاكم احتواء التناقضات عبر تعيينات رمزية أو إشراك محدود في مؤسسات الدولة. هذا المشهد المركب يعكس عمق الإشكالية السياسية والاجتماعية في المقاطعة، ويبرز الحاجة إلى قراءة متأنية لفهم ما يجري من منظور يوازن بين المحلي والوطني، والقبلي والشرائحي، والتاريخي والآني.

الخلفية التاريخية للصراع السياسي في باركيول

منذ مطلع عام 2006، بدأت ملامح صراع سياسي جديد تتبلور في باركيول. لم يعد الصراع مقتصرًا على النخب التقليدية فحسب، بل دخلت الشرائح المهمشة على الخط، مطالبة بتمثيل يعكس حجمها وواقعها. وقد سبقه استقطاب حاد ومحاولات للهيمنة على المشهد من قبل شخصيات سياسية معروفة، ما أدى إلى حالة من الإقصاء السياسي والتهميش الاجتماعي.

محاولة النظام لامتصاص الاحتقان: تعيين الكفاءات غير المعروفة

في محاولة لاحتواء التوتر، اتجهت السلطة إلى تعيين شخصية تتمتع بسمعة مهنية جيدة، لكنها غير معروفة في الأوساط السياسية للمقاطعة، وغير محسوبة على أي جناح سياسي. وقد اعتُبر هذا الخيار حلاً وسطًا، لكنه سرعان ما فقد زخمه بعد تراجع التأثير السياسي لتلك الشخصية وانحسار دعم الطيف السياسي الذي ساير الخطوة لأسباب ظرفية.

التحولات بعد 2018: كسر الاحتكار وتزايد المطالب

شكلت سنة 2023 نقطة تحول، حين فرضت الساكنة تمثيلاً برلمانيًا يعكس جزءًا من تطلعاتها. وكان انتخاب نائب من شريحة مهمشة مؤشراً واضحًا على تغيّر المعادلات، لكنه لم يوقف الصراع، بل زاده تعقيدًا. إذ تحولت المنافسة من مجرد معركة تمثيل إلى صراع على من يحق له أن يكون “الوجه السياسي للمقاطعة” في الحكومة أو الإدارة.

تنافس النخب والطموحات الشرائحية: عودة النظرة الدونية

رغم المكاسب الجزئية، لا تزال فئات واسعة من الشرائح المهمشة تُواجه بنظرة دونية، ويُنظر إلى طموحها السياسي كتهديد بدلاً من اعتباره فرصة لتكريس العدالة السياسية. وتستمر محاولات استغلال هذه الفئات أو تحييدها بدل تمكينها الحقيقي، مما أفرغ عملية الإشراك من مضمونها.

الانعكاسات على التنمية والمصالح العامة: ضياع الممكن بانتظار المجهول

إن استمرار الصراع السياسي بهذه الطريقة، والتركيز على الولاءات والانتماءات بدل الكفاءات والمشاريع التنموية، أدى إلى تعطيل العديد من الفرص وضياع ممكنات حقيقية لتحسين واقع المقاطعة. فالتنافس المحتدم جعل كل محاولة إصلاح أو تنمية رهينة للتجاذبات، بدل أن تكون هدفًا مشتركًا يخدم الجميع.

الخاتمة
ما تشهده باركيول اليوم هو نتاج تراكمات طويلة من الإقصاء وسوء إدارة التعدد داخل المقاطعة. ومن دون مراجعة جذرية تُعيد الاعتبار للكفاءة بدل الانتماء، وللمبادرة بدل التبعية، ستظل المقاطعة ساحة لصراعات عبثية. والدولة مطالبة، إذا كانت جادة في الإصلاح، بأخذ مطالب الساكنة بتمثيل سياسي عادل بعين الاعتبار، يعتمد على رؤية متوازنة تمنح كل ذي حق حقه.

توصية
ينبغي دعم الكفاءات الشابة من مختلف الشرائح، ومنحها فرصة المشاركة الفعلية بعيدا عن الحسابات التقليدية التي أثبتت فشلها، وإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة من خلال التمثيل العادل والنزيه.

اظهر المزيد

باركيول نت

منصة إعلامية موريتانية مستقلة، تعنى بالثقافة والتراث وتواكب الأحداث الوطنية والدولية بمهنية. هدفنا إنارة الرأي العام بمحتوى رصين يعكس نبض المجتمع وقيمه. نلتزم الدقة والمصداقية واحترام الحقوق وحق الرد والتصحيح وفق القانون وبالتحقق قبل النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى