أفق الثقافة

العبودية فى السياق القرآني الحلقة 3

التوتر الواعي بين المثال والواقع

الدكتور الشيخ ولد الزين ولد الامام

إنَّ الناظرَ في خطابِ الشريعة، إذا جاوز ظواهرَ الألفاظ إلى مقاصدِ الانتظام، وتخطّى جزئياتِ الأحكام إلى كليّاتِ النظام، تبيَّن له أنَّها لا تُباشرُ الواقعَ بمحضِ الإقرار، ولا تُناجزه بمطلقِ الإلغاء، بل تُنشئ بينه وبين المثالِ الذي تُقَرِّره توتّرًا واعيًا، هو في حقيقته آلةُ التحويل، وسرُّ الانتقال من الكائن إلى ما ينبغي أن يكون.

وبيانُ ذلك: أنَّ الشريعةَ قد قرّرت في أصلِ وضعها مبدءًا كليًّا لا يعتوره تخصيصٌ من جهة المعنى، وهو أنَّ الإنسانَ مُكرَّمٌ لذاته، مُنَزَّهٌ عن أن يكون محلًّا للتمليك من حيث هو إنسان، وأنَّ عبوديته لا تستقيمُ إلا لله وحده؛ إذ كلُّ خضوعٍ لغير المطلق انحرافٌ عن مقتضى الفطرة. قال تعالى: “ولقد كرّمنا بني آدم”، وقال: “إن أكرمكم عند الله أتقاكم”. فهذه كلياتٌ مؤسسةٌ لما يمكن تسميته بالمثال الحاكم الذي تُوزن به سائرُ الأوضاع.

غير أنَّ الواقعَ الذي نزل فيه الخطابُ لم يكن صفحةً خالية، بل كان بناءً متراكبًا من العوائد، شديدَ التماسك في نظامه، ومن جملته نظامُ الاسترقاق، وقد استحكمت علائقه وتشعّبت منافعه، حتى صار اقتلاعه دفعةً واحدةً مُفضيًا إلى اختلالٍ في العمران، وهو ما يُخالف مقصودَ الشارع في حفظ النظام العام .

فهنا يتجلّى سرُّ المسلك الشرعي: إذ لم يأتِ بإلغاء الواقع في لحظةٍ، فيصطدمَ بنظامه اصطدامَ الكاسر، ولا أقرَّه على حاله فيُسبغ عليه مشروعيةً تُنافي أصوله، بل أنشأ بينه وبين المثال حالة شدٍّ وجذبٍ مقصودة؛ يُثبِتُ بها المثالَ تثبيتَ الحاكم، ويُبقي الواقعَ إبقاءَ المحكوم، ثم يُدخِل أحدهما في الآخر إدخالًا يُفضي إلى انقلاب البنية من داخلها.

فالمثالُ – من حيث هو – لا يُطرح طرحَ الزينة الخطابية، بل يُغرس في الضمير غرسَ الأصل الحاكم، حتى يصير معيارًا يُستنكر به كلُّ ما خالفه. والواقعُ – من حيث هو – لا يُترك على إطلاقه، بل يُحاصَر بأحكامٍ تُنقِصُ من قوّته، وتُضعِفُ من مبرراته، وتفتحُ فيه منافذَ التفكك والانحلال. ومن شواهد ذلك: إدخالُ العتق في الكفارات (“فك رقبة”، “فتحرير رقبة مؤمنة”)، والأمرُ بالمكاتبة (“فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرًا”)، والحضُّ على الإحسان إلى الرقيق حتى يُقاربوا منزلة الأحرار في المعاملة.

وهذا النسقُ التشريعي لا يُفهم على وجهه إلا في ضوء أصلٍ أصوليٍّ عظيم، وهو اعتبار المآلات؛ فإنَّ الحكمَ لا يُنظر إليه من جهة صورته الابتدائية فحسب، بل من جهة ما يؤول إليه في مجموع النظام. فإذا كان الاتجاه العام للأحكام هو تكثير أسباب التحرير، وتضييق موارد الاسترقاق، عُلم أنَّ إبقاءه في الابتداء ليس مقصودًا لذاته، بل هو إدخاله في مسار الزوال على وجهٍ لا يفضي إلى مفسدةٍ أعظم .

ويشهد لهذا أيضًا أصلُ التدرج في التشريع، كما في تحريم الخمر، حيث نُقل الناس من حالٍ إلى حالٍ على سبيل التهيئة والتوطئة، لا على سبيل القطيعة الفجائية؛ لأنَّ ما ترسّخ في النفوس لا يُقلَع إلا بتدرّجٍ يُراعي طبائع الاجتماع .

ويمكن تحرير هذا المعنى بلغةٍ أدقّ، فنقول: إنَّ الشريعةَ لا تتعامل مع الواقع بمنطق “التقرير” ولا بمنطق “القطيعة”، بل بمنطق التحويل الجدلي الموجَّه؛ إذ تُنشئ بين “ما هو كائن” و“ما ينبغي أن يكون” علاقةَ توتّرٍ دائم، لا يُراد له أن يُحسم في لحظةٍ، بل أن يبقى فاعلًا حتى يُنضِج شروطَ الانتقال. فالتوتّر هنا ليس خللًا في الاتساق، بل هو عينُ الاتساق، لأنه يمنع الواقعَ من أن يتصلّب، ويمنع المثالَ من أن ينفصل.

فإذا استقرَّ هذا، عُلم أنَّ ما يبدو من ازدواجٍ بين تقرير الكرامة الإنسانية، وإبقاء بعض صور الاسترقاق، إنما هو ازدواجٌ وظيفيٌّ لا تناقضٌ حقيقي؛ إذ كلُّ واحدٍ منهما موضوعٌ في موضعه لتحقيق غايةٍ لا يتمُّ حصولها إلا بهما معًا: فالمثالُ يفتح أفق التحرير، والواقعُ يحدّد مساره الممكن، والتوتّرُ بينهما هو الذي يُنتج الحركةَ التاريخية المؤدية إلى غلبة المثال.

فالحاصلُ: أنَّ الشريعةَ أقامت نظامها على قاعدةٍ دقيقةٍ، وهي أنَّ القيم لا تُلقى على التاريخ إلقاءً مجرّدًا، ولا يُستسلم للتاريخ استسلامَ العاجز، بل يُدار التفاعل بينهما إدارةً واعية، يُنشأ فيها توتّرٌ مقصود، يكون هو الوسيلةَ إلى أن يتحوّل الواقعُ من داخله، حتى يَصدُق عليه في النهاية أنه قد انقاد لمقتضى المثال، لا قهرًا من خارجه، بل انجذابًا إلى حقيقته. (يتبع )

اظهر المزيد

باركيول نت

منصة إعلامية موريتانية مستقلة، تعنى بالثقافة والتراث وتواكب الأحداث الوطنية والدولية بمهنية. هدفنا إنارة الرأي العام بمحتوى رصين يعكس نبض المجتمع وقيمه. نلتزم الدقة والمصداقية واحترام الحقوق وحق الرد والتصحيح وفق القانون وبالتحقق قبل النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى