
العبودية فى السياق القرآني الحلقة 4
الفرق بين التدرج فى منع الخمر والتدرج فى منع الرق
الدكتور الشيخ ولد الزين ولد الامام
مَن رامَ الفهمَ عن الشريعةِ على وجهِه، لم يَسَعْه أن يقفَ مع ظواهرِ الألفاظِ وقوفَ المُقتصِر، حتى يَرُدَّها إلى كُلّياتِها، ويَجمعَ أطرافَها، ويَستقرئَ مواردَها، إذ بها يتبيَّنُ ما كان مقصودًا لذاته، وما أُجريَ على حكمِ التبعِ والاضطرار، وما أُبقيَ في الابتداءِ ليُرفَعَ في الانتهاء.
وإذا ثبت هذا الأصل، ظهرَ أنَّ التدرُّجَ في الشريعةِ ليس نسقًا واحدًا، بل هو على أنحاءٍ، تختلفُ باختلافِ متعلَّقاتِه:
فمنه ما يتعلَّقُ بأفعالٍ فرديةٍ راجعةٍ إلى اختيارِ المكلَّف، ومنه ما يتعلَّقُ ببُنىً اجتماعيةٍ متجذِّرةٍ في العمران.
وهذا الفرقُ هو مفتاحُ التمييز بين مسلكِ التدرجِ في الخمر، ومسلكِه في الرق.
فإنَّ الخمرَ – وإن شاعتْ في العربِ – فهي من قبيلِ الأفعالِ التي ترجعُ إلى تعاطي الأفراد، لا إلى نظامٍ تقومُ به الجماعات.
فلذلك جاء التدرُّجُ فيها على جهةِ النقلِ من الإباحةِ إلى التحريم ؛ إذ لا يتوقَّفُ رفعُها على هدمِ بنيةٍ قائمة، ولا على إعادةِ تشكيلِ نظامٍ اجتماعيٍّ شامل.
وأما الرق، فليس من قبيلِ الفعلِ الجزئي، بل هو نظامٌ مركَّب، تداخلت فيه: أحكامُ الحرب
وبُنى الاقتصاد وأعرافُ الاجتماع ..
لذلك سلكت الشريعةُ فيه مسلكًا آخر، هو مسلكُ التفكيكِ دون التصريح بالإبطال
حتى يصير وجودُه واقعًا محصورًا، محاطًا بدواعِي الزوال.
فكان التدرجَ في الخمرِ تدرجٌ في نفسِ الحكم حتى انتهى إلى التصريح بالتحريم،
وأما التدرجُ في الرق، فهو تدرجٌ في نفسِ الواقع حتى يُنقَلَ من داخله إلى غيره.
وعلى هذا، فإنَّ سكوتَ النصِّ عن تحريمِ الرقِّ، لا يُحمَلُ على الإقرارِ ، بل يُحمَلُ على أنه من قبيلِ الإرجاءِ المقصدي .
وبهذا يتبين أنَّ الشريعةَ لا تُدرَكُ أحكامُها على سواءٍ في جميعِ الأبواب، بل تختلفُ مسالكُها باختلافِ موضوعاتِها: فما كان راجعًا إلى الفعلِ الفردي، أمكن فيه الحسمُ بالتحريمِ عند تمامِ البيان وما كان راجعًا إلى البنيةِ الاجتماعية، سلكت فيه مسلكَ التحويلِ التدريجي، حتى يبلغَ الغايةَ من غيرِ تصادمٍ يُفضي إلى ضدِّ المقصود .
فليس كلُّ ما يراد له الإبطالِ يلزمُ أن يُبطَلَ بلفظٍ صريح، بل قد يُبطَلُ ببناءِ شروطِ امتناعه، حتى يصيرَ في حكمِ المعدوم، وإن بقي اسمُه في بعضِ النصوص.
لهذا يمكن القول إن التدرُّجُ في منع الخمرِ انتهي إلى لفظِ ، والتدرُّجُ في منع الرقِّ انتهي إلى معنى ، وكلاهما جارٍ على سننٍ واحد، هو تحقيقُ المقاصدِ بأوفقِ الطرق، لا بأعجلِها.

