
العبودية فى السياق القرآني الحلقة 5
قراءة مقاصدية في ثنائية السِّلم والجهاد، والحرية والرق
البرفسور الدكتور الشيخ ولد الزين ولد الامام
منذ مدة ليست بالقصيرة ينتابني شعور شغب تفكيري حاصله كيف للشريعة وهي تتغيى الحرية تأذن فى الرق وكيف لها وغايتها السلم تأذن فى الجهاد ..؟
غير أنني ولله الحمد ظهر لي أنه ليس من التحقيق في شيء أن تُتلقّى الشريعة على ظاهر ازدواجٍ يوهم التعارض بين قِيَمٍ مُعلنةٍ وأحكامٍ مُقرَّرة، فيُقال: كيف تنحو إلى السِّلم وقد أذنت في الجهاد، أو كيف تؤسّس للحرية وقد استوعبت الرق؟
فإن هذا المسلك إنما ينشأ من إغفال جهة الخطاب، وعدم التمييز بين مراتب النظر؛ إذ الشريعة لا تُخاطِب المكلّفين على جهةٍ واحدة، بل تجري على مقتضى التأسيس للمقاصد والتدبير للأحوال، ولكلٍّ حكمه واعتباره.
فأمّا جهة التأسيس، فهي التي تُقرِّر الأصول الكلية التي عليها مدار الشرع، كالسِّلم والعدل والحرية، وهي بمثابة الأفق الذي تُقاس إليه الأفعال وتُوزن به التشريعات.
وأمّا جهة التدبير، فهي التي تُنزِّل تلك الأصول في واقعٍ تتجاذبه ضروراتٌ وموانع، فيُراعى فيه الإمكان، وتُدفع به المفاسد، وتُحصَّل به المصالح على قدر الطاقة.
فإذا أُخذت النصوص من جهة التأسيس ظهر الإسلام دينَ سِلمٍ وتحرير، وإذا أُخذت من جهة التدبير ظهر فيه الإذن بالقتال وتنظيم أحوال الرق؛ ولا تعارض، لأن اختلاف الجهة يقتضي اختلاف الحكم.
ومن سنن الشريعة الجارية في هذا الباب سنّةُ التدرّج، وهي ليست عارضًا مؤقتًا، بل أصلٌ مقصود يُراعى به انتقال الناس من حالٍ إلى حال.
وهذا التدرّج قد ينتهي إلى إغلاقٍ تشريعيٍّ إذا استكملت شروطه، وقد يبقى فتحًا مقصديًّا يُناط استيفاؤه بجريان التاريخ وتبدّل الأعراف.
فما كان من المفاسد منضبطًا، لا يتوقف رفعه على نظامٍ عام، أُغلق بقولٍ قاطع؛ وما كان متغلغلًا في البنى والعوائد، جرى فيه الخطاب على جهة التفكيك والإزاحة التدريجية.
وعلى هذا يُفهم باب السِّلم والجهاد؛ فإن الأدلة الكلية شاهدة بأن السِّلم مقصدٌ أصيل، تُحفظ به الأنفس وتستقرّ به المعايش. غير أنّ هذا المقصد قد يُعاق بوقوع عدوانٍ أو قيام فتنة، فشُرع الجهاد حينئذٍ على جهة الدفع والحماية، لا على جهة الاستقلال بالقصد.
فالجهاد تابعٌ للسِّلم وجودًا وعدمًا، يدور معه حيث دار؛ فإذا أمكن السِّلم كان هو المتعيّن، وإذا تعذّر احتيج إلى ما يحفظه.
ومن عكس هذا الترتيب فجعل الوسيلة غايةً، فقد أخلّ بميزان الشريعة ونقل الحكم عن موضعه.
وكذلك يُقال في الحرية والرق؛ فإن النصوص دلّت على تكريم الإنسان واستصحاب حريته في الأصل، وجاءت مؤكِّدة لمعاني التحرير، فاتحةً لأبوابه، حاثّةً عليه في الكفارات والقُرَب.
غير أنّ الرق – لكونه نظامًا مستحكمًا في الأمم – لم يُواجَه بإغلاقٍ فوري، بل عولج بمنهجٍ يُحوِّل وجهته من التثبيت إلى الزوال، عبر تضييق موارده وتوسيع مصارف العتق. فكان إثبات أحكامه في الفقه من باب تنظيم الواقع حال قيامه، لا من باب الرضا به لذاته ولا تقريره غايةً يُقصد إليها.
ومنشأ الغلط في هذا الباب إنما هو تجريد الوسائل عن مقاصدها، أو حمل نصوص الفتح على مقتضى الإغلاق؛ فيُنظر إلى الجهاد بمعزلٍ عن قصد السِّلم، فيُتوهم أنه أصلٌ مقصود، ويُنظر إلى أحكام الرق بمعزلٍ عن مسار التحرير، فيُظن أنها تثبيتٌ له. والتحقيق أن النصوص يفسّر بعضها بعضًا، ولا يُفهم بعضها إلا في ضوء كليّاتها، إذ الجميع راجع إلى مقصدٍ واحد تتعدد مسالكه.
والحاصل أن الشريعة لم تأتِ لتعكس الواقع كما هو، ولا لتقلعه من أصوله دفعةً واحدة، بل جاءت لتُدخِل فيه توتّرًا موجِّهًا، يجعل الممكن يتدرّج نحو المثال، حتى يغدو الواقع تابعًا للمقصود.
فحيث استقام الأصل ظهر المقصد، وحيث اعتلّ شُرعت الوسيلة لإعادته، وبذلك ينتظم البناء وتزول شبهة التعارض، ويُعلم أن اختلاف الأحكام إنما هو باختلاف جهاتها، لا باختلاف مقاصدها. (يتبع )

