
العبودية فى السياق القرآني الحلقة 6
لهذا غابت المقاصد المانعة للاسترقاق عن المدونات الفقهية ؟
البرفسور الدكتور الشيخ ولد الزين ولد الامام
ليس المقصود في هذا النظر الوقوف عند حكمٍ جزئيٍّ قد استقرّ في أبواب الفقه، فإن ذلك مما جرى به النقل، ودوّنته المدونات، وإنما المقصود أمرٌ أغمض مسلكًا وأدقّ مدخلًا، وهو: كيف يتحول الواقع التاريخي، بما هو ظرفٌ عارض، إلى قابليةٍ تشريعيةٍ ممتدّة، تُعامل في الذهن الأصولي معاملة الأصل الثابت، مع أنّ مناطها يزول و يتبدل؟
وهذا موضع إنما يُغلط فيه من جهة ترتيب الأصول لا من جهة صحة الفروع.
ذلك أن الشريعة إذا نُظرت من جهة كلياتها، ظهر أن الأحكام لم تُجعل لذوات صورها، وإنما جُعلت لتحصيل معانٍ راجعة إلى مصالح العباد في دنياهم وأخراهم، فإذا انفكت الصورة عن معناها، لم يبق لها اعتبار من جهة المقصد، وإن بقي لها أثر من جهة الحكاية والنقل. فليس الشرع حافظًا للصور لذاتها، وإنما هو متبعٌ للمعاني حيث وُجدت، ودائرٌ معها حيث دارت.
وإذا ثبت هذا، تقرر أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، لا مع تاريخه ولا مع صورة منشئه الأولى. غير أنّ موضع الغلط أن تُجعل العلة وصفًا تاريخيًا ملازمًا لواقعة بعينها، لا رابطةً بين الحكم ومقصوده؛ فإذا فُعل ذلك، صار الحكم قابلاً للامتداد لمجرد بقاء الوصف في الذهن، ولو زال المعنى الذي لأجله شُرع. ومن هنا يقع الانفصال الخفي بين صحة الصناعة وصحة الوجهة.
ومن دقائق هذا الباب أن العوارض إذا طال بها الاستعمال، أو كثر التفريع عليها، انقلبت في التصور أصولًا، فصار التابع متبوعًا، والطارئ مستقرًا، من غير شعور بانقلاب الميزان. فيُظن دوام الحكم لدوام وروده في المدونة، ويُتوهم إطلاقه لغياب النص على التقييد، حتى يصير الاستثناء قاعدة، والظرف أصلًا، وذلك من أخفى مسالك الانزياح في النظر الفقهي.
وعلى هذا الوجه جرى في بعض الأبواب ما يُعرف بفقه الاسترقاق؛ فإنه لم يتشكل ابتداءً من جهة قصدٍ شرعيٍّ مستقل، وإنما نشأ من ورود واقعٍ عالميٍّ مستقر، فكان التعامل معه في أول الأمر على جهة التدبير لا التأسيس، ثم انتقل شيئًا فشيئًا من الوصف إلى التقعيد، ومن الإدارة إلى البناء، حتى استقل في الذهن الفقهي بوصفه نظامًا قائمًا لا مجرد ظرفٍ تاريخي. وهنا موضع الدقة، إذ إن التحول من إدارة الواقع إلى تقعيده هو عين النقطة التي ينقلب فيها العارض إلى قابلية دائمة.
ولما كانت الأصول موضوعة لضبط الاستنباط وردّ الفروع إلى أصولها، وقع في الاستعمال ما جعل بعض أدواتها تميل إلى تثبيت الواقع بدل النظر في وجهته؛ فالقياس إذا استعمل على إطلاقه في هذا الباب، لم يعد مولّدًا لمعنى جديد، بل صار معيدًا لإنتاج الأصل ذاته في صور متجددة، والاستصحاب إذا أُطلق دون نظرٍ في العلة، أورث بقاء ما كان وإن تغيّر موجبه. ومع غياب الحاكم المقاصدي، تضيع جهة التوجيه، ويبقى الفعل الفقهي يدور في فلك الصور لا في أفق المعاني.
ومن هنا يتبين أن الإشكال ليس في وجود تنظيمٍ لواقعٍ تاريخي، وإنما في تحول ذلك التنظيم إلى قابلية مستمرة في البنية الأصولية، بحيث يغيب الفرق بين ما شُرع لتدبير ظرفٍ، وما شُرع لتأسيس أصلٍ. فإذا اختلط هذا بذاك، صار ما هو تاريخيٌّ قابلاً للتشريع الدائم، وصار ما هو عارضٌ قابلًا للتصور المطلق.
وإذا أردنا الخروج من هذا الالتباس، فليس ذلك بنقض المنقول، ولا بإلغاء الصناعة، وإنما بإعادة ترتيب النظر بحيث تُردّ الجزئيات إلى مقاصدها، وتُفهم العلل بوصفها روابط لا أوصافًا جامدة، ويُجعل للمقاصد سلطانٌ لا في الإثبات فحسب، بل في المنع أيضًا، حتى إذا انتفى المعنى الذي لأجله شُرع الحكم، انتفى الحكم تبعًا له، لا من جهة الترف، بل من جهة الأصل.
وعلى هذا يتقرر أن الحاجة ليست إلى تكثير التفريع، بل إلى بناء مناعةٍ مقاصديةٍ تمنع ابتداءً تحويل العوارض التاريخية إلى قابليات دائمة؛ وذلك بأن يُجعل الأصل في الوقائع التاريخية الانقطاع لا الامتداد، وأن تُفهم المقاصد بوصفها حاكمة على الثبوت كما هي حاكمة على الرفع، وأن تُردّ العلل إلى وظائفها لا إلى أوصافها.
فإذا استقر هذا، انقلب الفقه من حفظ ما كان إلى توجيه ما ينبغي أن يكون، ومن إدارة التاريخ إلى تحرير الإنسان من سلطان التاريخ.

