
موالاة الغنيمة وصمت المغانم: حين تترك معركة الدفاع لمن لا نصيب لهم إلا الأذى
أثار ما كتبه العميد الإعلامي سيدي ولد النمين، وما عقب به الإعلامي عبد الله أتفاغ المختار، سؤالا جوهريا لا ينبغي للموالاة أن تهرب منه: من يدافع عن النظام؟ ومن يستفيد منه؟ ولماذا تترك الساحة لمن لا يملكون إلا القلم واللسان، بينما يلوذ كثير من أصحاب المناصب والمصالح بالصمت؟لقد لخص سيدي ولد النمين، كما فهمت من طرحه، معضلة واضحة: كثير من الموالين لا يبذلون جهدا يذكر في الدفاع عن النظام، ويتركون الساحة لغيرهم ليملأها بما شاء، ولو بالروايات المبتورة أو الخطاب المعارض أو حملات التشويه. ثم جاء عبد الله أتفاغ المختار ليضع إصبعه على الجرح، حين تحدث عن فقراء الموالاة الذين يخوضون المعركة الإعلامية والسياسية، بينما ينعم كثير من المنتفعين بالصمت والراحة والامتيازات.
وهنا أجدني معنيا بهذا الكلام، لا من باب المزايدة، بل من باب التجربة الشخصية. فقد كنت، وما زلت، من الداعمين لهذا النظام، سخرت قلمي ولساني ومنابري في الدفاع عنه، في وسائل التواصل الاجتماعي وعلى أرض الواقع، لا طلبا لمنصب ولا بحثا عن صفقة، وإنما انطلاقا من قناعة سياسية رأيت فيها ما يستحق المساندة والدفاع.
لكن ماذا جنيت من ذلك؟ لم نكسب، نحن الذين اخترنا الدفاع العلني، سوى هجوم المعارضين، وسهام الخصوم، وأحيانا بغض بعض الموالين أنفسهم. فالمعارض يرى فيك خصما مباشرا، وبعض الموالين يرى في دفاعك إحراجا لصمته، أو مزاحمة لصورة يريدها لنفسه دون أن يدفع ثمنها.والأشد إيلاما أن البعض يظن أن كل من دافع عن النظام قد اغتنى منه، وكأن القناعة لا وجود لها في السياسة، وكأن الإنسان لا يمكن أن يحمل موقفا إلا إذا قبض ثمنه. لقد أصبح مجرد الدفاع عن النظام تهمة عند البعض، ودليلا مزعوما على الثراء أو القرب أو الانتفاع، مع أن كثيرا ممن دافعوا لم يحصلوا إلا على الشتائم والتسفيه والخصومات.
وهنا تكمن الطامة الكبرى: ليست المشكلة في هجوم المعارضة، فهذا مفهوم في سياق الصراع السياسي؛ المشكلة أن لا تجد داخل الموالاة من يشجعك، ولا من يساندك، ولا من يقدر جهدك، مع أن المشروع الذي تدافع عنه يستفيد منه آخرون أكثر منك، ويجلس في ظله صامتون لا يكلفون أنفسهم حتى عناء كلمة إنصاف.
لقد أصاب عبد الله أتفاغ المختار حين أشار إلى أن كثيرا من الصامتين يأكلون ولا يتكلمون؛ لأن الكلام مكلف، ولأن الدفاع يجر على صاحبه الشتائم والاتهامات. أما الصمت، فهو أكثر أمانا وربما أكثر ربحا. ومن هنا تراجعت همم كثير من نشطاء الموالاة، لا لأنهم غيروا قناعاتهم بالضرورة، بل لأنهم وجدوا أنفسهم وحدهم في الميدان.إن من غير المقبول أن يتحول فقراء الموالاة، وأصحاب القناعة، والمدونون، والإعلاميون، والناشطون، إلى دروع بشرية سياسية، يدافعون ويتلقون الضربات، بينما يستفيد غيرهم من النظام والمناصب والامتيازات ثم يلوذون بالصمت.
ومن غير العدل أن يكون أصحاب الصوت هم الأقل حظا، وأن يكون أصحاب الحظ هم الأقل صوتًا.ما كتبه سيدي ولد النمين، وما فصله عبد الله أتفاغ المختار، ليس مجرد نقد عابر، بل جرس إنذار داخل البيت الواحد. فالأنظمة لا تدافع عنها الامتيازات الصامتة، ولا تحميها الوجوه التي تظهر عند الغنيمة وتغيب عند المواجهة. الأنظمة تحميها القناعة الصادقة، والكلمة الشجاعة، والرجال الذين لا يخجلون من إعلان موقفهم.لذلك، فإن على من استفادوا من هذا النظام، ومن نالوا ثقته، ومن صعدوا باسمه أو في ظله، أن يدركوا أن الدفاع عن المشروع السياسي ليس ترفا ولا منة، بل مسؤولية أخلاقية وسياسية.
فمن غير المقبول أن يتركوا المناضلين وحدهم في مواجهة حملات السب والتخوين، ثم يظهروا فقط عند توزيع المكاسب والمواقع.نحن لا نطلب ثمنا لقناعة، ولا نبيع موقفا، ولا نمن على أحد بكلمة كتبناها أو موقف اتخذناه. لكننا نرفض أن يترك المدافعون وحدهم، وأن يتهموا ظلما، وأن يعاملوا كأنهم أدوات مؤقتة تستدعى عند الحاجة وتنسى عند التقدير.
إن الموالاة التي لا تحمي أصواتها الصادقة، ولا تقدر مناضليها، ولا تميز بين المنتفع الصامت والمناضل الصابر، ستجد نفسها يوما أمام فراغ كبير؛ فراغ تصنعه اللامبالاة، ويملؤه الخصوم بسهولة.فليسمع الصامتون جيدا: لا يكفي أن تكونوا محسوبين على النظام، ولا يكفي أن تستفيدوا من ظله. إن لم تدافعوا عن الوطن على الأقل، وعن المشروع الذي صعدتم باسمه، فاتركوا الساحة لمن يملك شجاعة الكلام، أو كفّوا عن لوم من تعبوا من الدفاع وحدهم.
بقلم : الخبير القضائي: الناشط السياسي: ازيدبيه ولد احديد



