زاوية الرأي

الاعتراف بالحراطين: استحقاق للعدالة أم خطر على الوحدة الوطنية؟

إن العريضة التي وقعها 242 شخصية موريتانية ليست مجرد وثيقة مطلبية، بل تمثل رسالة سياسية قوية تعكس شعور شريحة من النخبة الوطنية بأن قضية الحراطين لم تجد بعدُ معالجتها النهائية، رغم ما تحقق من إصلاحات قانونية ومؤسساتية وسياسات عمومية خلال السنوات الماضية.
إن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الحراطين قد أسهموا في بناء موريتانيا، فذلك أمر لا يختلف عليه اثنان. فقد كانوا ولا يزالون جزءاً أصيلاً من تاريخ الوطن، ومن اقتصاده وثقافته وإدارته وقواته المسلحة وحياته السياسية.
لكن السؤال الجوهري هو: هل يُعدّ التنصيص الدستوري على مكوّن اجتماعي بعينه أفضل وسيلة لمعالجة قضية جوهرها اقتصادي واجتماعي وسياسي؟
إن الدستور هو العقد الجامع بين جميع المواطنين، ولا ينبغي أن يكون مجرد وسيلة لمعالجة مظالم الماضي، بل يجب أن يكون إطاراً لحماية مستقبل الأمة ووحدتها. فإذا أصبح الدستور فضاءً تُطالب فيه كل فئة باعتراف خاص، فإننا قد ننتقل من دستور يقوم على مبدأ المواطنة إلى دستور يقوم على مبدأ المكوّنات والهويات الفرعية.
وتعيش موريتانيا اليوم مرحلة مفصلية من تاريخها، حيث تستعد لإطلاق حوار وطني شامل يهدف إلى تعزيز التماسك الوطني. وفي هذا السياق، فإن إدخال منطق الاعتراف بالمكوّنات داخل النص الدستوري قد يفتح الباب أمام مطالب مماثلة من مكوّنات أخرى، وهو ما قد يحول النقاش من ترسيخ المواطنة إلى تكريس الانتماءات الفئوية.
ولا يعني ذلك أن المطالب الواردة في العريضة غير مشروعة، بل على العكس، فهي تعبر عن تطلع حقيقي إلى العدالة والكرامة وتكافؤ الفرص. غير أن الاستجابة لها ينبغي أن تكون بحجم المصلحة الوطنية العليا.
فالأولوية اليوم ليست في إضافة توصيف جديد داخل الدستور، وإنما في ضمان أن يتمتع كل مواطن موريتاني، سواء كان حراطينياً أو عربياً أو بولارياً أو سوننكياً أو وولفياً أو من أي مكوّن آخر، بالحقوق نفسها، وبفرص متساوية في التعليم والعمل والوظائف العمومية وتحمل المسؤوليات، وبالحماية نفسها التي يكفلها القانون.
ومن ثم، ينبغي أن ينتقل النقاش من الرمزية الدستورية إلى تحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع.
طريق ثالث لتعزيز الوحدة الوطنية
بدلاً من وضع الاعتراف الدستوري في مواجهة الحفاظ على الوحدة الوطنية، يمكن لموريتانيا أن تتبنى خياراً أكثر توازناً وطموحاً، يتمثل في إقرار ميثاق وطني للمساواة في الفرص والتماسك الاجتماعي في ختام الحوار الوطني.
ويمكن أن يتضمن هذا الميثاق:

  • إصدار قانون شامل يجرّم جميع أشكال التمييز الاجتماعي والعرقي.
  • إطلاق برنامج وطني لترقية الفئات التي عانت تاريخياً من التهميش، وفق معايير موضوعية ترتبط بالهشاشة والحرمان.
  • تعزيز التوازن في الولوج إلى الوظائف العليا والإدارة العمومية والمؤسسات الوطنية، مع الحفاظ على معايير الكفاءة والاستحقاق.
  • إصلاحاً عقارياً يضمن العدالة في الولوج إلى الملكية ويؤمن الحقوق العقارية.
  • إنشاء مرصد وطني مستقل يتولى قياس مؤشرات المساواة ونشر تقرير سنوي حول تكافؤ الفرص.
  • تنفيذ برنامج وطني واسع للتعليم والتكوين المهني ودعم ريادة الأعمال وتمويل المشاريع لفائدة الشباب المنحدرين من البيئات الأكثر هشاشة.
  • إن مثل هذا التوجه يعالج جذور التفاوتات الاجتماعية، ويعزز العدالة دون أن يُدخل الدولة في منطق التصنيفات الدائمة أو الانقسامات الهوياتية.


مسؤولية تاريخية
إن الشجاعة السياسية الحقيقية لا تكمن في الاختيار بين الإبقاء على الوضع القائم أو الانزلاق نحو الانقسام، وإنما في بناء توافق وطني يعترف بآلام الماضي، ويؤسس في الوقت نفسه لمستقبل أكثر عدلاً ووحدة.
إن موريتانيا لا تحتاج إلى جمهورية يُعرَّف فيها المواطن أولاً بانتمائه الاجتماعي أو العرقي، بل تحتاج إلى جمهورية يُعرَّف فيها المواطن بكرامته، وتحميه دولة القانون، وتفتح أمامه أبواب التقدم على أساس الكفاءة والاستحقاق.
وسيحكم التاريخ في النهاية ليس على قوة الخطابات، وإنما على قدرة القادة وصناع القرار على تحويل المطالب المشروعة إلى إصلاحات عملية تعزز الوحدة الوطنية وتحقق العدالة الاجتماعية.
ومن هذا المنطلق، ينبغي النظر إلى عريضة الشخصيات الـ242 باعتبارها فرصة لإطلاق نقاش وطني هادئ ومسؤول، لا باعتبارها مصدر انقسام. فإذا أفضى هذا النقاش إلى عقد اجتماعي جديد يقوم على العدالة وتكافؤ الفرص وترسيخ الوحدة الوطنية، فإن هذه المبادرة ستكون قد أسدت خدمة جليلة للجمهورية.

عبد الله صار
مسؤول إدارة الشؤون المالية،
خبير الأراضي

اظهر المزيد

باركيول نت

منصة إعلامية موريتانية مستقلة، تعنى بالثقافة والتراث وتواكب الأحداث الوطنية والدولية بمهنية. هدفنا إنارة الرأي العام بمحتوى رصين يعكس نبض المجتمع وقيمه. نلتزم الدقة والمصداقية واحترام الحقوق وحق الرد والتصحيح وفق القانون وبالتحقق قبل النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى