أفق الثقافة

آركين الموريتانية في بحث أكاديمي: جزيرة صغيرة صنعت منعطفا في بدايات تجارة الرقيق الهولندية

سلط بحث أكاديمي للمؤرخ ميخيل فان خرويسن الضوء على الأهمية التاريخية لجزيرة آركين الواقعة قبالة الساحل الموريتاني، باعتبارها محطة مبكرة في توسع شركة الهند الغربية الهولندية وبداية انخراطها العملي في تجارة الرقيق الأطلسية خلال سنتي 1633 و1634.

ونُشر البحث بعنوان: “ما وراء القانون والنظام: لقاءات آركين وبدايات تجارة الرقيق الهولندية، 1633–1634”، ضمن كتاب جماعي صادر عن دار Brill في لايدن وبوسطن سنة 2019، تحت عنوان: Imagining the Americas in Print: Books, Maps, and Encounters in the Atlantic World.

ويشير الباحث إلى أن ثلاث سفن تابعة لشركة الهند الغربية الهولندية وصلت، يوم 29 يناير 1633، إلى جزيرة آركين، التي يصفها بأنها جزيرة صغيرة جرداء تقع في خليج على ساحل ما يُعرف اليوم بموريتانيا، جنوب رأس نواذيبو/كابو بلانكو. وكانت الجزيرة، رغم صغر مساحتها، ذات أهمية تجارية واستراتيجية، خصوصا في تجارة الصمغ الطبيعي، الذي كان يُستخدم في أوروبا للأغراض الطبية والصناعات النسيجية.

ويعود الحضور الأوروبي في آركين، وفق البحث، إلى القرن الخامس عشر، حين أنشأ البرتغاليون مركزا تجاريا في الجزيرة سنة 1445، ثم أقاموا لاحقًا حصنًا للدفاع عنها في وجه المنافسين الأوروبيين. غير أن الهولنديين رأوا في الجزيرة موقعا استراتيجيا يربط بين المياه الأوروبية وساحل الذهب في غرب إفريقيا، خاصة بعد إخفاقهم سنة 1625 في السيطرة على حصن المينا البرتغالي.

ويبرز البحث أن شركة الهند الغربية الهولندية، التي كانت عند تأسيسها سنة 1621 تتبنى موقفا رسميا متحفظا من تجارة الرقيق، بدأت مع مطلع ثلاثينيات القرن السابع عشر في مراجعة هذا الموقف. ومن هذا المنظور، يعتبر الباحث أن الهجوم على أرغين مثل خطوة أولى في مسار دخول الهولنديين إلى تجارة الرقيق الأطلسية، إذ كانت الجزيرة بوابة مهمة لتجارة الرقيق العابرة للصحراء، ونقطة ارتكاز لمشاريعهم التوسعية على الساحل الإفريقي.

وبحسب الدراسة، تمكن أربعون جنديا هولنديا بقيادة لورنس كاميلس، يوم 5 فبراير 1633، من السيطرة على حصن أرغين، في مواجهة حامية برتغالية صغيرة لا يتجاوز عدد أفرادها أربعة عشر جنديًا. غير أن السيطرة العسكرية لم تفتح للهولنديين باب الاستقرار، بل أدخلتهم في سلسلة من الأزمات القانونية والسياسية والأخلاقية.

ويشرح فان خرويسن أن التجربة الهولندية في آركين كشفت صعوبة تطبيق القوانين الأوروبية على واقع إفريقي محلي تحكمه أعراف وتوازنات مختلفة. فقد كانت الشركة تعتبر أن لها سلطة قانونية على المناطق التي تسيطر عليها، بينما لم تكن العلاقة مع السكان المحليين، وخاصة المجموعات المعروفة في المصادر الهولندية باسم “المور”، قابلة للإخضاع بسهولة للمنظور القانوني الهولندي.

وتشير الدراسة إلى أن سوء فهم العادات المحلية، ومحاولة بعض المسؤولين الهولنديين تجاوز الأعراف القائمة، ساهما في تفاقم الأزمة. فقد اختفى المسؤول المدني الهولندي دانيال فان بيري بعد خروجه من الحصن للتجارة في الصمغ، واعتبر الهولنديون لاحقًا أنه قُتل على يد السكان المحليين، في سياق توتر متصاعد بين الطرفين.

كما تكشف الوثيقة أن الفوضى داخل الحامية الهولندية تحولت إلى تمرد، إذ وضع بعض الجنود قائدهم في القيود، بعد تدهور العلاقات مع السكان المحليين واختفاء فان بيري. ولم تتمكن الشركة من استعادة النظام إلا بعد أشهر، حين وصلت سفن أخرى إلى الجزيرة في مارس 1634، ووجدت الوضع في حالة اضطراب شديد.

ومن أبرز ما يورده البحث أن بعض الهولنديين تورطوا مبكرا في خطف أشخاص من السكان المحليين ونقلهم إلى “الهند الغربية”، في ممارسة كانت مخالفة حتى لسياسة شركة الهند الغربية في تلك المرحلة. ويرى الباحث أن هذه التصرفات ساهمت في تعميق العداء المحلي، وربما كانت أحد أسباب الانتقام من المسؤولين الهولنديين في الجزيرة.

وتخلص الدراسة إلى أن تجربة آركين كانت درسا مبكرا للهولنديين في غرب إفريقيا؛ فقد أظهرت لهم حدود القوة العسكرية عندما لا تصاحبها معرفة بالبيئة المحلية وأعرافها، كما دفعت شركة الهند الغربية إلى إعادة النظر في سياساتها القانونية والتجارية على الساحل الإفريقي. ومع ذلك، فإن الأحداث اللاحقة أظهرت أن الشركة اتجهت في النهاية إلى المشاركة المباشرة في تجارة الرقيق الأطلسية، بعد أن تراجعت اعتراضاتها الأخلاقية الأولى.

وتكتسب هذه الدراسة أهمية خاصة في الذاكرة الثقافية والتاريخية الموريتانية، لأنها تعيد تسليط الضوء على جزيرة آركين بوصفها فضاء تاريخيا شهد تقاطع المصالح الأوروبية، والتجارة الصحراوية، وبدايات التوسع الاستعماري في الساحل الأطلسي لغرب إفريقيا. كما تفتح الباب أمام قراءة أوسع لتاريخ الساحل الموريتاني، لا باعتباره هامشا بعيدا، بل باعتباره نقطة مؤثرة في تاريخ الأطلسي، والتجارة، والاستعمار، والتحولات العنيفة التي صاحبت نشوء الاقتصاد العالمي الحديث.

اظهر المزيد

باركيول نت

منصة إعلامية موريتانية مستقلة، تعنى بالثقافة والتراث وتواكب الأحداث الوطنية والدولية بمهنية. هدفنا إنارة الرأي العام بمحتوى رصين يعكس نبض المجتمع وقيمه. نلتزم الدقة والمصداقية واحترام الحقوق وحق الرد والتصحيح وفق القانون وبالتحقق قبل النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى