
بوبكر ولد مسعود حين يتحول الإنسان إلى ضمير حي في وجه الظلم
في تاريخ الشعوب لحظات تتجسد فيها معاني الكرامة الإنسانية في سيرة رجل واحد، فيصبح حضوره أكثر من مجرد اسم في سجل الزمن، بل رمزا لضمير حي يقاوم الظلم ويؤمن بأن العدالة ليست حلما بعيدا، بل طريقا شاقا لا بد من سلوكه مهما كانت التضحيات. ومن بين تلك الشخصيات التي طبعت مسار النضال الحقوقي في موريتانيا يبرز اسم بوبكر ولد مسعود، الذي رحل تاركا وراءه إرثا نضاليا سيظل حاضرا في ذاكرة البلاد ووجدانها.
ولد بوبكر ولد مسعود سنة 1945 في منطقة توكيـدي بضواحي مدينة روصو، في بيئة بسيطة شكلت بدايات وعيه الاجتماعي المبكر. ومنذ سنواته الأولى بدا واضحا أن هذا الفتى القادم من ضفاف نهر السنغال يحمل في داخله طموحا يتجاوز حدود المكان، وأن مسيرته لن تكون عادية في مسارها ولا في أثرها.
بدأ تعليمه سنة 1952، ثم حصل عام 1964 على شهادة الدروس الإعدادية، قبل أن يواصل دراسته في مدرسة المهندسين الفرنسيين في باماكو. ولم يلبث أن حصل سنة 1967 على منحة دراسية لمتابعة دراسة الهندسة المعمارية في موسكو، حيث تخرج عام 1974 مهندسًا معماريًا، حاملاً معه علمًا حديثًا ورؤية واسعة للعالم.
عاد إلى وطنه ليعمل مهندسا معماريا في شركة سوكوجيم، ثم عين سنة 1981 مستشارا فنيا لدى وزير الإسكان، قبل أن يصبح عام 1986 مديرا في الشركة نفسها. غير أن حياة بوبكر ولد مسعود لم تُختصر يوما في الوظيفة أو المسار الإداري؛ فقد كان يحمل في داخله هاجسا أكبر، هو الدفاع عن الإنسان وكرامته.
ومنذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، انخرط في النضال الحقوقي مبكرًا، حين شارك سنة 1978 في تأسيس حركة “الحر” التي رفعت صوتها ضد العبودية في موريتانيا. وقد شكّل ذلك الحدث لحظة مفصلية في مسار الحركة الحقوقية في البلاد، إذ كانت تلك المبادرة من أوائل الأصوات التي طالبت بإنهاء هذه الظاهرة والدفاع عن ضحاياها.
وفي عام 1992 شارك مع رفاقه في تأسيس الجبهة الموحدة للتغيير “أفديك”، في سياق سياسي اتسم بالمطالبة بالإصلاح والديمقراطية. وقد أدى نشاطه السياسي والحقوقي إلى اعتقاله في العام نفسه، على خلفية رسالة مفتوحة طالبت الرئيس آنذاك معاوية ولد الطايع بالتنحي وإقامة نظام ديمقراطي تعددي.
لكن المحطة الأبرز في مسيرته جاءت يوم 16 فبراير 1995 حين أسس منظمة “نجدة العبيد”، التي أصبحت واحدة من أبرز المنظمات الحقوقية في موريتانيا، وظلت لعقود صوتًا مدافعًا عن ضحايا العبودية، وعن حق الإنسان في الحرية والكرامة.
لم يكن طريق النضال مفروشًا باليسر؛ فقد تعرّض بوبكر ولد مسعود للاعتقال عام 1998 بسبب نشاطه الحقوقي، ثم أعيد اعتقاله سنة 2002. ومع ذلك ظل ثابتًا على مواقفه، مؤمنًا بأن الحرية لا تُمنح بل تُنتزع بالنضال السلمي والصبر الطويل.
وقد كان للراحل، بصفته عضوا في الآلية الوطنية للوقاية من التعذيب، دور بارز في الدفع نحو سنّ تشريعات تجرم العبودية وتعزز حماية حقوق الإنسان، خصوصا قانوني 2007 و2015 اللذين شكّلا محطة مهمة في مسار مكافحة هذه الظاهرة في البلاد.
وخلال مسيرته الطويلة، حظي بوبكر ولد مسعود بتقدير واسع على المستويين الوطني والدولي. فقد اختارته وزارة الخارجية الأمريكية عام 2008 ضمن أبرز المدافعين عن حقوق الإنسان في إفريقيا، كما حصل سنة 2009 على جائزة محاربة العبودية في لندن، ونال عام 2010 جائزة حقوق الإنسان من الجمهورية الفرنسية. وفي عام 2023 كُرّم بوسام ضابط في نظام الاستحقاق الوطني، كما كرمته منظمة “نجدة العبيد” سنة 2026 بمناسبة مرور واحد وثلاثين عامًا على تأسيسها.
لقد كان بوبكر ولد مسعود أكثر من مجرد ناشط حقوقي؛ كان شاهدا على مرحلة تاريخية من كفاح المجتمع الموريتاني من أجل العدالة، ورمزًا من رموز النضال المدني الذي آمن بأن الدفاع عن الإنسان هو أسمى القيم التي يمكن أن يكرّس لها المرء حياته.
وبرحيله، تخسر موريتانيا أحد رجالها الذين حملوا قضية الحرية في قلوبهم قبل أن يحملوها في خطاباتهم. غير أن الرجال الذين يصنعون التاريخ لا يغيبون برحيلهم، لأن أثرهم يبقى حيًا في الضمائر، وسيرتهم تظل درسًا للأجيال في معنى الشجاعة الأخلاقية والوفاء لقضايا الإنسان.
رحم الله بوبكر ولد مسعود، وبقيت سيرته شاهدا على أن الكرامة الإنسانية تستحق دائما من يدافع عنها.



